يتغنى الشعراء وكتاب الأغاني بقدرة الحب على مصالحة الزمان ومسامحة الأيام وعقد هدنة مع جنون العالم.
لكن ماذا تعني مصالحة الزمان؟ والأهم كيف يعادي الإنسان زمانه؟ أو ربما الزمان من يبدأ بالخصومة؟
كلما تذكرت أنني قضيت مراهقتي وعشرينياتي ما بين ثورة وڤيروسات وحروب ثم ثورة وڤيروسات وحروب أتذكر منشورًا لأحدهم: “أنا لما أكبر هاخد زمني وزمن غيري“
ولكن هل نحن الجيل الأتعس فعلًا؟ هل قرر العالم الذي نحاول تشييده أن ينهار تحديدًا في فترة قرمط؟
التاريخ يجيب: لا. لا داعي للدراما.
في الحرب العالمية الأولى قُتل حوالي ١٦ مليون إنسانٍ، في الحرب العالمية الثانية قُتل أكثر من ٥٠ مليون إنسانٍ، قضت الإنفلونزا الإسبانية على حوالي ثلث سكان العالم. هذا العالم ينهار كل نصف قرن تقريبًا على يد حفنة من المجانين ثم يأتي مجانين آخرون يحاولون إصلاحه من جديد وهكذا.
في الحروب العالمية، أعتقد أن الأقرب للمنطق أن يفكر الجنود في خدعة حربية تسهل النصر.. في مناورة تقلب الموازين..
في طريق للنجاة..
ولكن في ذلك الزمن الهستيري فكروا في الحب.
نشرت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية رسائل الجنود لحبيباتهم وقت الحروب العالمية، أحدهم يعتذر لزوجته لأنه لم يستطع الزيارة مؤخرًا وربما سيرسل لها بعض المال، وآخر يعتذر لحبيبته أنه ضياع لجمالها أن تحب رجلًا مثله.
لا أستطيع تخيل أن أكون جنديًا في حرب بين القوى التي تحكم العالم، تحوم فوقي الطائرات، أو أعيش في خنادق، وكل ما أفكر فيه أن أرسل لزوجتي اعتذارًا وأخبر حبيبتي بالترست-إشوز التي تؤرقني.
ربما كان هذا طريق النجاة؟
يسأل تميم في “الأمهات العذارى” : لماذا يلح علينا الحب وقت الحرب؟
أنا لا أعرف يا أستاذ تميم والله.. المشكلة أنه لا يلح علينا في الحرب فقط، بل وفي أوقات الامتحانات وأنت لا تعرف اسم مادة الغد، ووسط ضغط العمل اليومي وأنت تفكر في كتابة استقالتك، وفي يومٍ شمسه حارقة حتى تكاد تقسم رأسك، وفي ليلة باردة لا ينفع فيها زيادة قطع الملابس..
إن كنت تقرأ هذا لتجد إجابة فأنا لا أعرف.. بكلمك بالأمانة يعني..
ربما يجب أن تسأل عنترة كيف لمعت السيوف وقت الحرب في عينه كثغر عبلة. أو تسأل تميم نفسه الذي قال لياسمين التي من حلب أنه لعينيها سامح هذا الزمان. أو تسأل ياسمين حتى تعرف هل عيناها تستحق فعلًا أم مبالغة شعرية من تميم؟ أو تذهب للمرحومة أم كلثوم وتسألها كيف صالحت به الأيام وسامحت به الزمن. فإن لم تستطع فأستاذ حسين الجسمي موجود دائمًا في ستوديو ما يسجل أغنية إعلان واسأله: كيف سيصالحنا الزمان بعد العداوة؟
ولكن السؤال الأهم: ماذا لو لم نجد الحب؟
هل نستعين بالجملة الخالدة لندى أبو حجر ( ليلى علوي في حب البنات ) أن الحب ليس فقط للحبيب والحبيبة ولكن يمكن أن يكون للأب للأم للأخت للسديك للجار؟
أم ده قصر ذيل يا أزعر؟
في رأيي -وهو يتغير سريعًا ربما قبل أن أرسل هذا النص- أن ندى أبو حجر لم تخطئ كثيرًا، ولكن سأزيد فقط على ذلك أن الحبيب المرجو ليس هو المشكلة ولكن في كيفية إيجاد الحب.. قبل أن ننتظره أو نحاول منحه يجب أولًا أن نعرف كنهه.. أن نحاول إيجاد تعريفٍ له يرضينا، تعريفٍ خاص بنا، يتناسب مع ما نعرف عن أنفسنا، وما ننتظره من الآخر، تعريف نجد به إجابات أسئلتنا المعقدة عن ذلك المجهول الذي أرهقه الشعراء من كثرة ذكره.. يجب أن ندرب قلوبنا عليه حتى تسع الورد والشوك كما يقول درويش.
“القلب القادر على الحب قادر على التوحيد قادر على الثورة قادر على الغناء و قادر على تكبد معجزة أن يكون شجاعًا وهشًّا في نفس اللحظة الزرقاء التي تشبه لون سماء محشوّة بالغمام وبالسكينة”
سلسبيل أبو زيد
إذا كان للحب قدرة حقيقية على الإصلاح، ومقاومة الأحزان، وجعل العالم أقل قبحًا، فعلى الأقل يجب أن ندرب قلوبنا المنهكة وسط كل ذلك على إيجاده ففهمه ثم تقبله ثم إعطائه للآخرين.
تسأل عن كيفية التدريب؟ لا أعرف تحديدًا، هذه مشكلتي عزيزي القارئ وأحاول حلها لست هنا لحل المشاكل بل لعرضها، أنا مش سماح أنور، كما أومن أن لكل إنسان رحلته الخاصة مع تعريف المشاعر خاصة الحب، فقط عليه أن يحاول.. ربما حينها يصالحه الزمان.




قالها الشافعي:
نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا
وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا
وَنَهجو ذا الزَمانِ بِغَيرِ ذَنبٍ
وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا