لماذا يشعر الجميع بالاختلاف في معرض الكتاب 2026
مقدمة
انتهت فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب يوم الثلاثاء 3 فبراير 2026 بنجاح. المعرض الذي تار حوله كثيرًا من الجدل والخلافات -والأهم من كليهما- اتفقت الآراء فيه على كونه هذا العام مختلفًا؛ مختلفًا في نوعية الكتابات، وامتياز موضوعاتها، وجدية القراء فيها. الأمر الذي دفع صديقنا الفلاح عبد الله عثمان أن يصفه بكونه “مفخرة للمصريين المعاصرين”. وبعيدًا عن “أفورة” عبد الله عثمان -الشهير بالجهوي- فإن هذا الشعور يسيطر على كثير من المعلقين، خاصةً بعد نشر عدد المترددين على المعرض الذي فاق في إحصاءات الأيام الأخيرة 6 مليون زائر .
أثار هذا كثيرًا من الجدل، بعضه قديم مثل سؤال “هل يقرأ المصريون؟“، وبعضها حول الجدية النوعية في القراءات، والجدل حول أهمية قراءة الروايات والخيالات العلمية. وبعض الجدالات الأخرى تعلق بالخلاف حول الجدوى من ترجمة أعمال المستشرقين المعادين لمفكري العالم الإسلامي. الجدل الذي في حقيقته يحمل انطباعًا بجدية القراء وتجاوزهم لكثير من “أكلاشيهات الماضي” في النقاشات بين (العلماني والإسلامي - الشرق والغرب - العلم والدين - .. إلخ).
هنا، نحلل هذا الشعور الذي نرى بأنه حقيقي. نعم، كان معرض الكتاب هذا العام مختلفًا .. وإليك أسباب هذا الاختلاف، الذي سيكون المستفيد منه من المقام الأول هو الحاج سيد حنفي صاحب محلات الكشري التي تمول أمعاء زوار المعرض طوال أيامه.
خمسون عامًا من معرض الكتاب
لا يمكن تحليل النسخة الحالية من المعرض دون شيء من التعرض لتاريخ المعرض ونشأته؛ للاطلاع على تحولات نسخه المختلفة عبر العقود.
جاء تأسيس المعرض عام 1969 بعد نكسة 67 دلالة على تحول الدولة من حالة السيطرة المفرطة على الانتاج الثقافي والفكري “ التأميم “ إلى استعادة الذات والثقة والانفتاح على العالم الخارجي والتخفف من آثار الهزيمة. شهدت السبعينات تحولات في المجتمع المصري، خفوت الناصرية وبداية صعود الإسلاميين، تزحزح الحياة السياسية العادلة أو المشروع القومي إلى حالة الركود والتراجع في الفعل السياسي وصعود الأيدلوجيا لتحل محل الفعل السياسي والأحزاب السياسية، إلى تصارع حول الهوية ، كان معرض الكتاب في ظل هذا المشهد منصة لمختلف الأيدلوجيات واستكمالا لحالة الصراع والتيه في الواقع .. لذلك نرى حالة الاستقطاب الحادة في المناظرة الشهيرة بين فرج فودة والشيخ محمد الغزالي في فعاليات المعرض 1992 التي انتهت باغتيال فرج فودة .
مع تجذر النيوليبرالية في مصر مطلع الألفية وما يتبعه من حالة الاستهلاك وانسداد العمل السياسي والمجتمعي بصورة تبدو صامتة ورتيبة كالمعتاد في عصر مبارك ، شهد معرض الكتاب تحولا كبيرا إلى كتب التنمية البشرية والروايات. جاءت ثورة يناير 2011 كحالة جديدة على المجتمع وما تحمل خلالها من أسئلة وقراءات وتغيرات جذرية في المجتمع، مما انعكس بشكل جلي على مستوى القراءات والكتب والترجمات، بل وفي تأسيس دور نشر جديدة تلائم الحدث، سرعان ما تلاشت الحالة الثورية، وبقيت آثارها الثقافية على المعرض وعناوينه، مع عودة قوية لحالة الفردانية المفرطة في عناوين التنمية البشرية، وروايات الفانتازيا، وتطوير الذات.
بحلول عام 2022، بلغ إنتاج النشر في مصر أكثر من 23,000 عنوان، ومع ذلك جادل النقاد بأن مجال الانتاج الثقافي أصبح أكثر فراغا بسبب الرقابة والمنطق الاستهلاكي . بالمقارنة، مثل عام 2026 تغيرا ملحوظا لا على مستوى الكم، فلا يزال كم الإنتاج كبيرًا (1457 دار نشر - 83 دولة - 6 ملايين زائر)، ولكن على مستوى الجوهر النوعي للعناوين -كما سنورد لاحقًا.
لو جاز لنا أن نصك خيطًا ناظمًا للتغيرات التي لحقت بتطور المعرض عبر العقود، فستكون وبلا شك تغيرات جرت حول توتر “أزمة الدولة”. فما بين محاولة لتأميم الحياة الثقافية لصالح مشروع الدولة في وقت التأسيس، مرورًا إلى النزاع حول الهوية الواجب حفظها لها بدأت بنهاية السبعينيات، وبلغت الذروة في التسعينيات، ونزوع نحو الفردية والذات بسبب كون مساحة الدولة مجهولة في السنين السابقة والتالية لبضعة شهور قصيرة بدأت في مطلع 2011 وانتهت بعدها بقليل، وصولًا للحالة الجارية التي نتناولها هنا. فما هو الجديد في معرض 2026؟
الموجة الارتدادية
تغير العالم صبيحة يوم السابع من أكتوبر 2023 وللأبد. كان الطوفان طوفانًا .. زلزالًا معرفيًا أعاد تنظيم هرمية المعرفة العربية بشكل جذري. لعقود، تعامل المثقفون العرب مع التوتر نحو ليبرالية الغرب باعتبارها إطارًا معيبًا لكنه ضروري للتقدم. عادوها لكنهم رأوا فيها شرًا لا بد منه. ثم صدمتهم الحداثة الغربية بحزمة من الصدمات في غضون عدة أسابيع مؤلمة، فشل ظاهر للمؤسسات الغربية، السياسية أولًا بمشهد تصويتات مجلس الأمن ومؤتمرات القمة المخزية، والقانوني ثانيًا بعبثات جلسات المحاكمات الدولية، وحتى الأكاديمي بخذلان مثقفين كان يشار لهم بالبنان للضمير الإنساني كما فعل “يورجن هابرماس”، وبانفصال آخرين عن الواقع بتنظيرات شخ عليها الزمان. فقد الغرب -أو الشمال العالمي مش هنختلف- مصداقيته الفكرية والأخلاقية بشكل كامل وتآكلت شرعيته بسرعة.
أعادت الهزة المعرفية تحفيز الهم البحثي والثقافي العربي تجاه أسئلة من قبيل “هل الحياة قابلة للحياة بلا حداثة؟”. ومن هنا أعيد اكتشاف المشروعات البحثية، بدأ تجار الثقافة المفلسون بالبحث في دفاترهم القديمة. ربما لم يظهر هذا بوضوح سريع في الفعاليات الثقافية التالية للطوفان بعدة شهور؛ لكن قاعدة الزلازل دائمًا تقول أن الموجة الارتدادية تبدأ بعد توقف الموجة الأساسية. بوقف إطلاق النار -الصوري المخزي- في غزة، انفلتت أسئلة الثقافة العربية من عقالها. أعيد النظر في تراث مفكرين كطه عبد الرحمن حول التصور الغربي للأخلاق الذي شكله التنوير والتجربة الاستعمارية. “الفراغ الدلالي” المخزي الذي خلقه الاستخدام المنحط الذي يخجل استعماريو القرن التاسع عشر منه لمصطلحات مثل “الإبادة” و”الإرهاب” و”الدفاع عن النفس” كان يتناقض بشدة مع الإلحاح الأخلاقي الذي فرضه صوت الدماء في غزة. وحدث الانقسام الذي لا رجعة فيه.
بدأ الجمهور العربي ينظر إلى المعرفة كأداة للأمان الوجودي بدلًا من كونها نشاطًا ترفيهيًا. ولأول مرة بدأت تنافس العناوين المتعلقة بالمعارف الأساسية -الجغرافيا السياسية والتاريخ والفلسفة الأخلاقية- الطلب على كتب الخدمات والخيال التجاري -الذي هيمن على المشهد الثقافي منذ بدء الألفية الجديدة. وبدأ العصر الذي سنطلق عليه التحول من السيولة إلى الصلابة.
من السيولة إلى الصلابة
تشير بيانات النشر بين عامي 2022 و2026 إلى تحول هيكلي عام في سوق الكتب المصري، بالرغم من صعود المبادرات الثقافية خارج مصر، حافظت مصر على الهيمنة على النشر العربي، وصدر فيها أكثر من 25 ألف عنوان في عام 2023 وحده.
أصبحت نظريات مالك بن نبي حول القابلية للاستعمار والطبيعة الدورية للحضارات منتشرة في كل مكان. معادلته الأشهر (الحضارة= رجال + تراب + زمن) أصبحت أداة قياسية لتحليل إخفاقات العصر وفشل النخبة السياسية المأزومة. كما اكتسب نقد وائل حلاق للدولة الحديثة ككيان “مستحيل” للحياة الإسلامية قاعدة جماهيرية عريضة بين جيل الشباب. نموذجه في قراءة العنف الابستمولوجي الذي يعزل الأخلاق عن المعرفة حمل تفسيرات عديدة لجيل الشباب فيما يتعلق بما يمارسه الإعلام الغربي من عهر مع القضية الفلسطينية. وأخيرًا أعيد النظر فيما أسماه طه عبد الرحمن “نسق الائتمانية” الذي مثل تنظيرًا نادرًا للبناء المقابل للحداثة على غير إطار نقدها وتفنيدها وفقط.
شكلت هذه التنظيرات النوعية المجال الفكري الثقافي المعاصر، ودخلت في الإطار الثقافي والفكري المشبع للجوع المعرفي عند شباب القراء، وحولها -وغيرها من التنظيرات- دارت اهتمامات القراء وأسئلتهم المنشئة لاختياراتهم للكتب، وبالتالي كتابات الكاتبين. خذ مثالًا الأسئلة التي طرحها دخول الذكاء الصناعي عالم صناعة الفكر والكتابة، لم يكن سؤال “أخلاقية استعماله” أو “دوره في الوعي الأخلاقي” ليكون موضوعًا للاهتمام لولا تغير حقل الاهتمامات عند القراء العرب.
أصبح النظر تجاه الاستعمار الثقافي، ونسخته من علم التاريخ والانثروبولوجيا وعلم النفس والاجتماع والسياسة، كذلك محط انتباه كبير من القارئ العربي. وأصبحت الكتابات العامدة إلى إعادة النظر في المدارس الكلاسيكية في هذه العلوم الإنسانية -التي اتضح أنها مدارس استعمارية بامتياز- هي الاهتمامات الثقافية الرائدة.
عملت المبادرات الفكرية للقراءة وخلق بيئات التفاعل الرقمي بين منتجي المعرفة وملتهميها على إنشاء البيئة الثقافية الجماعية، والتي بطبيعة الحال تخصم من رصيد القراءات الفردانية الساعية لبناء المهارات الذاتية للمنافسة في سوق عمل يتآكل بظروف اقتصادية مريعة من ناحية، واستبدال سريع بتقنيات الذكاء الصناعي من الناحية الأخرى.
ماذا عن الرياض؟ والغرب؟
في لقاء مع أحد الناشرين المصريين، أكد لنا -كاتبي المقالة- على أن أرباح دور النشر المصرية أو العربية في معرض القاهرة دائمًا ما لا تشغل هامشًا ربحيًا يعلو أرباح المعارض خارج القطر المصري سواءً في الرياض أو الشارقة أو اسطنبول أو فرانكفورت أو غيرها. وبالرغم من ذلك -حسب تأكيد الناشر- لا يزال يشيع بين الناشرين العرب مقولة “الميت الذي لم يُنشَر نعيه في الأهرام لم يمت، والكتاب الذي لم يُقرأ في القاهرة لم يُقرأ”. لا يزال الناشرون العرب يحرصون على غزو السوق المصري لبناء الزخم حول كتاباتهم قبل كل شيء وإليكم تحليلنا لهذه الظاهرة.
لا يسعنا إنكار أن معرض الرياض الدولي للكتاب الذي هو ابن شرعي لرؤية السعودية الأوسع 2030 قدم تكيفًا مؤسسيًا تحت رعاية الدولة للاستثمار في الثقافة الجماهيرية. مثل معرض الرياض مثالًا نموذجيًا لتغيير ثقافي من أعلى إلى أسفل، وعلى العكس يظهر دائمًا معرض القاهرة بكونه الفعالية الثقافية التي تنتظم من أسفل إلى أعلى. الفارق الآخر هو التركيز الرئيس في كلا المعرضين، فبينما تركز الرياض على الحداثة والتكنولوجيا (الذكاء الصناعي وأمن المياه مثلًا)، فإن القاهرة لا تزال تمثل مركز التحول الأخلاقي والتاريخي.
المثير للدهشة -وربما الضحك- أن حالة القمع المعرفي المباشر للحريات الأكاديمية في بلدان غربية -كما تمثل حالة منطق الحكم المسلح في ألمانيا weaponized Staatsräson- أو أزمة قمع احتجاجات الجامعة في مدن أمريكا فجوة كبيرة في الخطاب العام. الأمر الذي يجعل النقاشات الأخلاقية الجادة حول الحرب في غزة أكثر ثراءً وأقل قمعًا مما هي عليه في أوروبا وأمريكا، الأمر الذي لو أقسمنا لك عليه منذ 3 أعوام لقتلك ضحكًا.
إلى أين؟ وإلى متى؟
أصبحت الساحة العامة العربية في عام 2026 أكثر عداوة مع القوى العالمية من أي وقت مضى. لقد تم استبدال الحالة السائلة الفردانية قبل 2023 بجمهور “صلب” يبحث عن إجابات واضحة وقاطعة بديلة. نعم، لا يزال هذا الجمهور مجزأً، يشعر بنسمات التغيير تلفح وجهه في ليل التجمع الخامس البارد أمام كشري سيد حنفي وهم محملون بكتب المعرض. ولكن تظل أكبر تحديات هذا الجمهور هي ذات مخاطر التجزئة والفرقة.
توقفت حرب غزة -ظاهريًا- لكنها لم تزل تنزف، كذلك الأحداث في اليمن والسودان، وترقب اشتعال الوضع في إيران. لا يزال هذا التوتر الإقليمي يعزز الأسئلة الأخلاقية والثقافية، ويصعب مهمة الاهتمامات الترفيهية اليوم عما كانت عليه بالأمس.
هل سيستمر التحول نحو الصلابة في المعارف الأساسية في مواجهة ضغوط التسويق والأزمة الاقتصادية؟ هل ستكون أدوات الذكاء الصناعي أداة من أدوات الاستعمار الرقمي أو مقاومته؟ هل سيؤدي الابتعاد -ولو شعوريًا- عن الغرب إلى حرب عالمية جديدة؟ وهل سيشكل انهيار قدرة هياكل السلطة التقليدية على مصادرة المجال العام الثقافي وتأمينه -كما بدأ مشروع المعرض الأول في 1969- إلى مزيد من المعرفة الصلبة أو العكس؟ كلها إجابات لا نحمل لها إجابة قطعية.
المؤكد فقط، هو ما يعرفه القارئ الكريم ولا داعي للتأكيد عليه. العالم قبل 7 أكتوبر بالتأكيد ليس كما هو بعدها. والثقافة العربية وفعاليتها الأبرز -معرض القاهرة- ليستا استثناءً من هذا التغيير الذي ننشده اليوم أصبح بين أيدينا، ربما نملكه وربما نفلته. الأهم، ألا تنسى المرور على سيد حنفي وأنت خارج من قاعات المعرض.




حلو جدا و الأحلى فكرة الكتابة المشتركة.. افتتاحية لطيفة تسلم أيديكم