شظايا الهوية القديمة: ثقل الأيديولوجيا والزلزال
لم أسعَ يومًا إلى اختيار هويتي؛ فقد وُلدتُ داخل هوية جاهزة مكتملة الأركان، لم تترك لي رفاهية السؤال أو مشقة البحث. جنّبني انتمائي المبكر إلى تيارات الإسلام السياسي عناء التكلف لاكتشاف نفسي، فكبرتُ على أساس أنني “الإسلام” ذاته، لا أن الإسلام جزء من تعريفي البسيط لنفسي.
كم كان هذا الحمل باهظًا!
كنتُ أحمل فوق كتفي أيديولوجية كاملة، لا مجرد منظومة أفكار؛ فلباسي منشورٌ دعويٌ متحرك، وطريقة كلامي قاموسٌ لغويٌ معياري، وسلوكي اليومي بيانٌ سياسي وأخلاقي مفتوح للعموم. حتى أخطائي الإنسانية الصغيرة لم تكن تُعامل بوصفها عثرات فتاة تتلمس طريقها، بل بوصفها ثغرات استراتيجية ستتحرك عبرها جيوش الخصوم الناعمة والخشنة لغزو العالم. كبرتُ وأنا أظن أن على كتفي مسؤولية تفوق طاقة البشر؛ أن أكون ممثلةً لدين، وحاملةً لمشروع، وحارسةً لأخلاق أمة كاملة. ولم أكن أرى آنذاك ما في هذا التصور من قسوة بالغة، ولا ما يفرضه من طهرانية غير واقعية تجعل الخطأ الشخصي انهيارًا كونيًا، والمراجعة الفكرية خيانة عظمى.
ثم جاءت الأحداث التي غيرت طريقة تموضع الناس، ومعها بدأت التصدعات الأولى تظهر في جدار بدا لي فولاذيا غير قابل للانهيار. لم يكن الأمر تحولًا فكريًا هادئًا أو مراجعة أكاديمية رصينة، بل كان أقرب إلى زلزال ضرب الطبقات الأعمق في وعيي؛ زلزال بقوة عشر درجات على مقياس ريختر لم يهدم بعض القناعات فحسب، بل هزّ الأرض التي كانت القناعات نفسها تقف عليها
للمرة الأولى بدأ يتسلل إلى ذهني احتمال غريب: ماذا لو لم تكن الهويات التي أرتديها هي أنا؟ ماذا لو كانت مجرد أشياء أعبرها، لا أشياء تُعرّفني بالكامل؟ وماذا لو كان الانتماء نفسه أخف وطأة مما تخيلت طوال تلك السنوات؟.
في تلك الفوضى، منحتني الحياة هدنة إجبارية في هيئة تغيير فى خانة الأحوال الاجتماعية، وانتقال إلى مدينة جديدة، ودخول عالم الأمومة؛ ذلك العالم الذي أدين له بعد الله سبحانه وتعالى بالفضل في أغلب التحولات الجذرية التي عرفتها نفسي. تقاطعت طرقي مع مسارات لم أتوقعها، وانتقلت بين ثلاثة مسارات تعليمية مختلفة، تداخلت فيها الهندسة بالفنون والعمارة باللغة ، وأسئلة الجمال والمعنى. كانت أبواب جديدة تُفتح بينما أبواب أخرى تُغلق في هدوء، لكن الهدوء الخارجي لم يكن يعكس ما يمور في الداخل.
كان جزء من هذا التمرد هو التخلي عن نمط لباس معين، والتجرد من انتماءات إسلاموية كنت أعدها يومًا جزءًا من كياني. ولم تمر تلك التحولات بلا كلفة؛ فبين اهتزازات الحياة الشخصية والاضطرابات الفكرية العنيفة، تعثرتُ بالاكتئاب المرضي المقعد مرتين، فكنت أدخل المسارات الجديدة بحماس لا يلبث أن يتحول إلى قلق. أسجل في برنامج دراسي، فأجد نفسي بعد أسابيع أفكر: ماذا لو لم أكمله؟ أبدأ مشروعًا جديدًا، فأقضي وقتًا أطول في تخيل خسارته من العمل عليه. حتى الأمومة نفسها، التي كانت أقرب الأشياء إلى قلبي، كنت أتشبث بها أحيانًا كما يتشبث الغريق بلوح خشب. وقتها فقط بدأت أفهم أن المشكلة لم تعد في هذا الطريق أو ذاك، بل في علاقتي بفكرة الانتماء نفسه
بلغ الأمر حد العجز عن الشروع في الأشياء خوفًا من فقدانها لاحقًا، وكأنني أحمي نفسي من ألم التعلق بالطريق أصلًا؛ لم أكن أخشى الفشل بقدر ما كنت أخشى الفراغ الرمادي الذي سيتركه بعده. وذات جلسة علاج، بينما كنت أعيد تدوير المخاوف ذاتها للمرة التي لا أذكر عددها، قالت لي طبيبتي النفسية جملة استقرت في قلبي كمرساة:
“ستبقين إسراء التي حاولت في كل طريق، وسيظل وجودكِ أكبر من معركة خضتِها بشرف سواء ربحتها أم لم تربحيها،
بعد طلاقي، وحين بدأتُ أستعيد شيئًا من حركتي بالتوازي مع بدء مساري في التمهيد للدراسات العليا، . ورغم كل شيء، لم يتوقف عقلي عن التعلم؛ كان في حالة استعداد دائم للبحث والتحليل والتفكيك فكرت في الدوائر التي تجمع المهتمين بالأشياء نفسها، لعل تقاطع الاهتمامات في بيئة محفزة يمنح العقل فرصة أفضل للعمل، ويمنح الروح شيئًا من الرفقة التي افتقدتها طويلًا.
عتبات الحذر: في جغرافيا الأمان الفكري المغاير
لم يعد خوفي من الأفكار بقدر خوفي من الجماعات التي تحملها؛ فالكتاب يمكن إغلاقه متى شئت، أما البشر فالأمر معهم أكثر تعقيدًا. كنت أراقب أي تجمع جديد كما يراقب الناجي من حادثٍ طريقًا غير ممهد؛ لا لأنه يرفض السير، بل لأنه يعرف أن الارتطام يترك أثره في الجسد طويلًا بعد انقشاع الحادث.
أستطيع أن أرى أثر الارتطام في ردود أفعالي حتى اليوم. بعد كل تجربة أليمة كنت أخرج بخسارة جديدة؛ خسارة يقين، أو صورة قديمة عن نفسي، أو قدرة بريئة على الثقة، حتى لم أعد أرتاب من الأفكار المخالفة بقدر ما صرت أرتاب من يقيني أنا نفسه. لهذا كنت أبحث دائمًا عن العلامات المبكرة: عن الشخص الذي لا يجوز الاعتراض عليه، عن الجملة التي تُقال همسًا في البداية ثم تتحول بمرور الوقت إلى قانون غير مكتوب، عن المسافة النقدية التي تبدأ واسعة ثم تضيق شيئًا فشيئًا حتى تختفي. كنت أعرف هذا الطريق جيدًا؛ فقد رأيت سابقًا كيف تختلط الفكرة بصاحبها حتى يصير نقد أحدهما اعتداءً على الآخر، وكيف تتحول المحبة الإنسانية الطبيعية إلى حصانة غير معلنة ضد المراجعة والمساءلة.
لهذا لم أدخل “أسمار وأفكار” باحثة عن الانتماء، بل عن القراءة فحسب، كنت متوجسة ،وكان أي التفاف بشري حول شخص هي فكرة كافية لإثارة حفيظتي. يكفي أن أرى مجموعة من الناس يجتمعون حول مائدة حطب مشتعلة، أو يكثرون من ذكر اسم واحد، حتى تبدأ صفارات الإنذار في عقلي بالعمل تلقائيًا، وأجهز حقيبة الهروب كاملة
بيد أنني في المقابل، كنت أعيش تحت ثقل حاجة شديدة لرفقة حقيقية تعينني على ردم الفجوة مع القراءة التي خاصمتها وزهدت فيها زمنًا وأشياء أخرى بحثت عنها سلفا. فمثلا لم أفقد حبي للمعرفة، لكنني فقدت القدرة على الانتظام حولها، هكذا انضممت؛ يدٌ تمتد نحو المعرفة ، وأخرى نحو بشر يذكرونني كل أسبوع بل كل يوم أن هناك حياة كاملة خارج دوائر العمل والنجاة اليومية، فكل منا بحاجة إلى مساحة تشاركية تؤنس وحشته وتمنحه فرصة تبادل الخبرات والتعافي والنمو المشترك. وإذ أراقب من بعيد تصدّرالكثيرين و الكثيرات لهذه الفضاءات، أستطيع أن أرى بوضوح نبل المقصد الأول ومدى جدواه الإنسانية
لكنني وفي كل مساحة يكثر حولها الالتفاف، كنت أترقب اللحظة التي تنقلب فيها الموازين؛ حين تنسحب الفكرة بهدوء من مركز المشهد، ويجلس صاحبها على العرش الذي تركته خلفها. رأيت هذا التحول من قبل، ورأيت كيف يبدأ بريئًا تمامًا؛ بمحبةٍ طبيعية لشخص ملهم، ثم ينتهي شيئًا فشيئًا إلى محاكاةٍ لا يفرضها أحد ولا يجرؤ أحد على تسميتها. عندها لا يعود الناس يبحثون عن المعنى، بل عن أقرب نسخة ممكنة من حامله، ويذوب التنوع في ظلال شخص واحد، مهما حسنت نواياه أو نبُل مقصده.. ...
ثم جاء أول اختبار حقيقي لحذري؛ نشاطٌ أقيم للأعضاء الجدد، وكان الحديث يدور حول أهمية التفاعل كشرط أساسي لبناء شعور الانتماء داخل المجتمع القرائي. لا أزال أذكر رد فعلي الداخلي يومها: تحسستُ مسدسي الفكري فورًا! ورفعت قرار “المسافة الصارمة” في مقدمة رأسي كيافطة إعلانية ضخمة بوهج فاقع تخطف الناظرين في طريق مجهول. تدافعت الأسئلة في عقلي: أليست هذه هي الطريقة نفسها التي تبدأ بها كل المجموعات؟ أليس هذا هو الباب الذي يدخل منه الناس طوعًا قبل أن يكتشفوا أنهم لم يعودوا قادرين على المغادرة؟ هل أسمع حديثًا عن التفاعل... أم دعوة مبطنة للالتفاف حول زعامة ما؟
خلال الأشهر الثلاثة الأولى كنت أمارس طقوسًا مزدوجة: أقوم بواجبات القراءة المقررة بكل انضباط، ثم أعقبها فوراً بقراءة مضادة شرسة وموازية للنص ذاته، أفتش عن زواياه المعتمة، وأراقب نفسي وأنا أراقبه، قائلة في خفائي متحدية: “ماذا تدبرون؟ بالطبع سأتخذ كل التدابير والاحتياطات... وأنتوا رايحين، كنا احنا راجعين طبعاً!”.
لكن شيئًا غريبًا بدأ يحدث ببطء، شيئًا لم أكن قد وضعته أصلًا ضمن الاحتمالات الممكنة.
رحابة الأسمار: تفكيك الثنائيات وتأسيس الأمان
بينما كان عقلي يتوجس من السقوط في الفخ ذاته الذي عرفته قديمًا، وإن اختلفت الأسماء واللافتات. كنت أعرف أن السلطة الكاريزمية لا تحتاج إلى نوايا سيئة كي تفعل فعلها؛ يكفي أحيانًا أن يملك شخصٌ ما قدرًا من الحضور لتبدأ المسافات النقدية في التآكل تدريجيًا، وسرعان ما تلقي الكاريزما خطّافها باصطياد أشخاص متوتري الهوية، لتتقلص المسافة حد الذوبان في هويته الشخصية لا أفكاره، فتفقد الفكرة نبالتها قبالة المصالح الذاتية للداعي إليها. وهي فكرة فلسفية قعّد لها جمال الدين الأفغاني صاحب أول مساق قرائي حضرته فى النادي حين تحدث عن أن البشر “قليلون حول أصالة الفكرة، كثيرون حول حب المَحْمَدة،
وبعد سنوات طويلة من الأسر لوهم طهرانية “المثقف اللوذعي الألمعي”؛ مظنةٍ مسبقة أن كل شخص فرغ من وقته ليتصدر فكرياً، أو يصنع محتوى ما خلف الشاشات، هو بمثابة معصوم تُنزع عنه عيوب البشر
أعطتني أسمار مساحة شفيفة للالتماس المباشر مع الأشخاص، سواء كانوا من أعضاء النادي أم من ضيوفه؛ فاكتشفتُ لكل منهم بشريته النضرة التي تظهر في السياقات الودودة، تلك البشرية الدافئة والتي أحببتها أكثر من صور “البروفايل” المفلترة، والمنشورات المنمقة، والمعارك الفكرية المستعرة. .
خلف تلك الشاشات الباردة، وفي عتمة غرفتي، لم أكن ألتقي بنخب فكرية معصومة، بل بأصدقاء يشاركون في النقاش من وسائل المواصلات المزدحمة بعد يوم عمل شاق، من غرف طوارئ المستشفيات وجلسات السمر العائلية، وربما من وسط ضجيج لصراخ طفلين مثلي،هذا التجرد الطوعي من الأقنعة، وهذا القبول الضمني النبيل بالضعف الإنساني، هو تحديداً ما نزع فتيل ريبتي، وهدم ترسانة حذري.
فكان للحقيقة وجهًا آخر انقشعت عنه غيوم الريبة؛ إذ لم أتعرف في هذا المآل على زعيم يبشر بطائفة فكرية، ولا على جماعة تطلب من أفرادها أن يذوبوا في قالب واحد. بل وجدت مساحة شديدة الحيوية، تفاعلية إلى حد الذهول، تحتدم فيها الجدالات وتثور حتى كنت أتحسس أصابعي وهي تقترب من زر “الحظر” لبعض الأعضاء، لشدة ما كنت أرى آراءهم مجانبة للصواب والمنطق المستقيم! كنت أقرأ بعض التعليقات فأشعر أن المنطق نفسه يتعرض لاعتداء مباشر، ثم أعود في اليوم التالي لأجد نفسي أكمل النقاش مع الأشخاص أنفسهم، ثم أجدني بعد أسابيع أضحك معهم، وبعد أشهر أستشير بعضهم في أمور شخصية وأكاديمية.
وهنا بدأت ألاحظ شيئًا لم أعتده من قبل: أن الاختلاف لا يؤدي بالضرورة إلى القطيعة، وأن الاتفاق ليس شرطًا للمودة، وأن الإنسان يمكنه أن يحب أشخاصًا لا يشبهونه.. بل ربما لأنهم لا يشبهونه. أنا التي فُطمت على ثنائيات الحق والباطل، والأبيض والأسود، وجدت نفسي للمرة الأولى أقيم طويلًا في منطقة الرماد الحية؛ لا باعتبارها منطقة ضبابية أو مرتبكة، بل باعتبارها مساحة إنسانية تحتمل التعقيد. هناك بدأت أفهم أن الأفكار ليست قذائف اتهام، بل هي طينٌ يُعاد تشكيله بالحوار والدندنة حول الفكرة، وأن الرأي الذي أرفضه بشدة قد يصدر عن إنسان كريم ونبيل.
كان الاحترام المتبادل هو السيد المطاع في هذا الفضاء، وكانت “النكتة الذكية” تتدخل بخفة لتداعب حدة النقاش وتنزع فتيل الاحتقان. تروّضت نفسي ببطء، ووجدتني حريصة على إكمال القراءات بانتظام، حتى تلك التي تقع تماماً خارج سياق اهتماماتي وتفضيلاتي الصارمة. وللمرة الأولى لم أشعر أن هذا التوجيه الإداري يهدد حريتي الفكرية، بل أيقنت بنضج جديد أن جزءًا من قيمة القراءة يكمن تحديدًا في أنها تدفعنا إلى ما لا نختاره لأنفسنا، وأن العقل لا ينمو بالاعتماد الدائم على الحركات المألوفة.
حتى قواعد النادي الصارمة التي تقضي بحذف العضو تلقائيًا إذا ما اعتذر عن القراءة مرتين متتاليتين، لم أجد في نفسي أي تحسس تجاهها؛ بل فهمت أن من حق كل من شقّ مساحةً معرفية من العدم أن يحكمها بقواعد وضوابطه لتستقيم وتستمر، فكثير من المشاريع الجميلة ماتت تحت وطأة التسيب.
وجدتني أعود إلى المجموعة أحيانا لا من أجل الكتاب وحده، بل لأن وجودها صار يذكرني بأن العالم أوسع من دوائر العمل والنجاة اليومية، ولم أكن أتوقع أن تصبح الجدالات الفكرية، على نحو غير مباشر للتصالح مع فكرة المشاركة بعد سنوات من الحذر،وأن الاختلاف لا يهدد بالضرورة المودة.
قد لا تلتقي هناك بأشخاص يحملون سمات “المثقف الأكاديمي” بجفافه، ولكنك حتماً تلتقي بنفوسٍ يتوقد فيها شغف التعلم؛ كثرٌ هم الذين يدندنون حول حمى الثقافة، لكن وجود هؤلاء المنددنين الشغوفين، ببراءتهم وعفويتهم، يضفي رقةً بالغة تكسر صرامة الأفكار الجافة. ثم تأتي المعجزة الإنسانية الأجمل:
من الفكرة.. إلى “الدبلة”
سؤال كثيرا ما أقف امامه،
كيف ينقلب نقاش فكري جاد وصارم ليكون هو ذاته الشرارة الأولى لرباط زواج مقدس، أو ولادة صداقة عمر عابرة للمسافات والشاشات؟ ما هي تلك الخلطة السحرية التي تجعل التعارف الإنساني تحت مظلة المعرفة أنقى، وأبقى؟ ربما لأن الناس هنا لا يلتقون حول مصالحهم أو صورهم الاجتماعية، بل يلتقون حول أسئلتهم الكبرى، وحين يكشف الإنسان أسئلته، فإنه يكشف جزءًا من روحه النظيفة دون أن يدري،ولعل رؤية هذا الشكل المختلف من العلاقات الإنسانية كانت من الأشياء التي دفعتني إلى إعادة النظر في أسئلة أقدم بكثير؛ أسئلة ظللت أجرها معي سنوات طويلة عن الانتماء والهوية وما ينبغي للإنسان أن يكونه.
زنزانة “المفروض” وثقل المسميات
قضيتُ ردحاً من الزمن، آناء جلسات علاجي النفسي، أبحث عن “المفروض”؛ المفروض أن أفعل، المفروض أن أكون، وأن أنتمي، ويكأن الإنسان حين يعتاد العيش داخل إطار مغلق، يعجز عن تخيل نفسه خارجه حتى لو تهدم السجن وغاب السجّان.
لكن السنوات الأخيرة علمتني شيئًا مختلفًا: ماذا لو لم تكن كل تجربة تهدد وجودنا؟ ماذا لو كان بوسع الانسان أن يخطئ ويصحح مساره ثم يواصل السير؟ ماذا لو تحركنا بين الأفكار والأشخاص بنفوس أخف؟ننتمي بخفة ونغادر بخفة إذا اقتضى الامر؟
ومع الوقت بدأت ألاحظ أن جذور هذا الخوف لم تكن كامنة فى تجربة بعينها، بل كانت تمتد إلى الطريقة التي أفهم بها نفسي أصلا.
لسنوات طويلة كنت أظن أن الانتماء يعني الذوبان؛ أن أكون الفكرة لا صاحبتها، والمسار لا سالكته.فإذا درست أصبحت الدراسة، وإذا عملت أصبح العمل إجابتي الجاهزة عن سؤال من أنا؟ وإذا أحببت طريقا خشيت فقدانه كأنني سأفقد نفسي معه.
أما اليوم، فأميل إلى تصور أكثر رحمة وسكينة: أن الإنسان يستطيع أن يمر بالأفكار والمسارات دون أن يتحول إليها، بل أن يبقى نفسه—بكامل رحابتها ونقصها—حتى وهو جزء من شيء أكبر منه. وربما كان اختبار هذا التصور الجديد هو تجربتي مع أسمار نفسها ؛ إذ وجدتني للمرة الأولى أحاول الانتماء دون ذوبان.
لا أعلم بيقين إن كنتُ لا أزال أقف عند ذات “المسافة الآمنة” التي تدرعتُ بها في مستهل الرحل أم أن خطاي قد خطت للداخل قليلاً؛ ولكن الذي أوقنه تماماً، هو أنني اكتشفتُ خلف هذه الشاشات نوعاً جديداً ومغايراً من الأمان؛ أمانٌ رحب وناضج، لا يطلب مني لكي أستشعره أن أُلغي عقلي أو أتنازل عن حقي في الشك، أمان يسمح للإنسان أن يكون جزءاً من شيء أكبر منه، دون أن يفقد نفسه في الطريق
وربما لهذا لم أعد أشعر بالحاجة إلى حمل العالم فوق كتفي كما كنت أفعل قديمًا. لم أعد ممثلةً لأمة، ولا ناطقةً باسم فكرة، ولا حارسةً لباب الحقيقة. أنا فقط إسراء؛ أقرأ كتابًا هذا الأسبوع، وأختلف مع أصدقاء أحبهم الأسبوع التالي، وأغيّر رأيًا بعد عام إذا اقتنعت، ثم أواصل السير. وللمرة الأولى منذ زمن طويل، لا يبدو هذا القدر من البساطة مخيفًا..


