٢٤ رمضان ١٤٤٧ هـ
١٤ آذار ٢٠٢٦ م
أكتب هذه المرة ككثير من سابقاتها بلا وجهة ترسو بها كلماتي، إنما هي الحاجة الملحة للاعتراف، ولمواجهة النفس بمخازيها. أحنو عليها أحيانا وأقسو معظم الوقت، وما تلك القسوة سوى مسكن يخفي عرضا ولا يعالج مرضا. تتخيل أنك بعد جلد نفسك بالسياط سيستقيم المعوج وتحل المشاكل، ولم لا وها قد قدمت نفسي قربانا؟ يبدو أن القربان لم يقبل، هل لخسته صار كقربان قابيل؟ لا أظن، بل أعتقد أني أستخدم المبادلة في عصر العملات المعدنية. لم يُطلب مني أن أسحق نفسي، ومع ذلك عند كل طامة لا أجد أسهل من جلد ذاتي، مخبّئًا هذا الاضطراب تحت أثمال الحكمة. أعتقد أني أجد فيه حلا سريعا وسبيلًا لقليل من الرضا، وأيضا لمجانبة الحل الصحيح الذي يكلف المر كله يكلفني الصبر.
يملأني خواء مظلم هذه الأيام؛ غياب الرغبة، غياب الدافع. من المثير للسخرية والحنق في آن أنك لم تختر أن تولد وتأتي لدنيا الغم تلك، ولا يمكنك أن تضغط زر الانسحاب في أي وقت فتنقضي آلامك. لا محيص عن المواصلة، ستكمل رغم الغصص التي تملأ حلقك والعيون التي نزفت دموعها. لا خيار. ولا يفارقني قول رهين المحبسين هذه الأيام:
خَسِستِ يا أُمَّنا الدُنيا فَأُفِّ لَنا
بَنو الخَسيسَةِ أَوباشٌ أَخِسّاءُ
أتعرف أسوأ ما في الأمر؟ هذا ليس سؤالا تقريريا كما توقعت، أنا حقا لا أعرف. أهي تلك الهوة السحيقة والمفازة القاحلة بين ما تعلمه عن نفسك وما يظنه الناس فيك؟ وليتني ذو سلامة عقلية كافية لأدرك سخف ما يظنه الناس عني ما دمت أعرفني. لكنه الشره يا صديقي، شرهك أن ترى الرضا في عيون الآخرين، وخاصة أن تكون تلك العين الراضية عين غريبة لا تلتزم نحوك بأي دافع أخلاقي، بل تلك العين اختارت بحرية تامة أن ترضى عنك، وأن ترضى عنك دائما. حينها فقط تكتفي من الدنيا، تكتفي حد الامتلاء. وها أنا بعد أن حيل بيني وبين تلك العين التي لم ترض عني في كل أحوالي، رجعت لسجني مع ضريبة مضافة هي أثقل من أي شيء. لم أكن سابقا أفطن لوجود هذه المشاعر ، فكنت في فسحة من البحث عنها أو افتقادها، أما الآن وقد ذقت فعرفت، وبعدها فَقدت ففُقدت.
أم هي الذكريات؟ الحنين لزمن مضى، زمن لم يبق منه في ذاكرتي سوى لحظات الفرح الجميلة وذكريات أخرى أسترجعها من حين لآخر: حياتي في أول سنيها في حضانة الطفل السعيد مع ابن خالي والأصح أخي عبدالله، أم بعدها حياتي التي قضيتها في مدرسة الصفوة حياة دامت ١١ سنة؛ بدأتها غلاما صغيرا تقله أمه للحافلة فيودعها ويركب على كرسي بجانب الشباك يشعر بالوحدة والخوف، وينتهي به المطاف جالسًا لآخر مرة في حافلة مدرسته بعد أكثر من عقد من الزمان ، يبكي، يبكي كالطفل الصغير على فراق مدرسته الحبيبة الغالية هل كان يدري هذا الطفل القلق كل هذا الجمال الذي كان مقبلا عليه؟ هل توقع هذا المراهق كل تلك الآلام؟
أم ذكرياتي في بيت جدي سعيد رحمات الله عليه تترى مع أبناء خالاتي وأبناء خالي، وانتظاري الإجازة الصيفية من كل عام لرؤيتهم والأنس بهم، وأن نأكل الإندومي المطهو بالسمنة البلدي التي تعده لنا جدتي فايزة رحمها الله وأسكنها الفردوس، وبعدها نفترش الأرض سويا. أم تجمعاتي العائلية تلك التي كان عمي رضا رحمه الله رحمة واسعة هو درة تاجها، أسمع أحاديث أعمامي وأبناء عمومتي وأستلذ ذلك الدفء وإن لم أع معظم ما يقال. ووالله لو استزادني أحد لزدته من تلك الأيام وذكرياتها، ولكن لسنا بمحل تفصيل.
تكرم علينا عمي طارق أن لبى دعوتنا للفطور أمس. استمتعت بمجلسه وأنصت لحديثه، واسترجعت ذكرياتي معه في أول سنين الكلية عندما تكرم علي بضيافتي. وأكثر ما لفت انتباهي وأخذ بمجامع عقلي حديثه مع أبي عن ذكريات صباهما. فبعدما استرسلا في الذكريات ابتسم عمي طارق ابتسامة لن أنساها ما حييت، وأظنني لمحت في مآقيه دمعة، وقال: “كل دا راح خلاص”. لمح أبي ما لمحت ففتح موضوعا آخر رأفة بعمي، لكن الزمن توقف بي عند تلك الجملة. ما أقتل الذكريات، ما أقتلها.
تمنيت دائما لو استطاعت الأمكنة أن ترينا تاريخها، أن أذهب لبيت جدي الحاج عليوة العطار وأستنطق جدرانه أن تخبرني عن براءة أبي ولهوه، عن طفولته بكل تفاصيلها: كيف عانى وماذا قاسى، وكيف نظر إليه أهله وكيف عاملوه. أن أبقر بطن التاريخ وأستخرج منه أمعاءه، أن أجمع شتات تلك العائلة في كتاب ربما سميته “الإخبار بتاريخ عائلة العطار”. ربما لو تحدثت الجدران لآنست جزءا كبيرا من وحشتي.
أبحث الآن من جديد عن الحب، ولكن أبحث عنه بعقل أوعى، وبقلب على الرغم من جوعه أشدّ رشدا. ولا يلومنني أحد، فوالله إن الأمل مثل الماء والنفس، فبدونهما يطويك التراب، وبدون الأول تموت حيا.
وجالت بنفسي خاطرة أثناء ذهابي لصلاة الفجر حين لاحظت تغير مكان القمر عما كان قبل ٣ ساعات. أدركت أن المرء يخضع لنفس القواعد الفيزيائية التي تخضع لها الأجرام السماوية؛ فلكل امرئ حاجة يدور في فلكها، حاجة لها قوة جذب تخلق مدارًا لا يحيد عنه الإنسان. وإذا فقد الإنسان هذا الشيئ الذي يدور حوله خبط عشواء وانتهى به الأمر مضطربا مفتتا فاقدا كل شيئ.
وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر.
وأحسب أن كثيرًا مما نسميه أزمة إنما هو انتقال قاسٍ من مدار إلى مدار. فالطفل كانت أمه شمسه التي يستمد منها دفئه ونظام يومه، ثم يكبر قليلًا فتغدو المدرسة عالمه، ثم تتبدل الكواكب مرة أخرى فتكون الصحبة، أو الطموح، أو امرأة يظنها خلاص قلبه. وهكذا يمضي العمر ونحن نغيّر أفلاكنا دون أن نشعر، حتى إذا تقدم بنا الزمان قليلاً نظرنا خلفنا فوجدنا خرائط قديمة لمدارات لم تعد موجودة، وأسماء لنجوم خبت منذ زمن.
ولعل هذا هو السر في قسوة الذكريات؛ فهي لا تؤلم لأنها مضت فحسب، بل لأنها تذكّرنا أننا كنا يومًا في نظام واضح، في مدار مفهوم. كنا نعرف إلى أين نذهب كل صباح، ومع من نضحك، ومتى نعود. أما الآن فقد اتسعت السماء حتى صارت موحشة، وكثرة الاحتمالات فيها أشبه بالضياع.
ويستمر المسير.




جميلٌ جداً سِيدى، كم أشعر بالفخر لكوني كنت جزءاً من هذه الذكريات.
لم يكن المستنصر من فراغ