أنا شخص مهووس بإعادة اختراع العجلة، ولكني أيضا مهووس بإعادة اختراع العجلتين في حياتي، كلما تركتهما عدت إليهما مهما طال الزمن. .
منذ طفولتي، وفي الخطوات الأولى في إجازة الصيف عند عمر العاشرة حدث ما لم أكن اتوقعه ولم يكن يتوقعه ١٤ مليار طفل ولدوا منذ ١٩٠٠ حتى اليوم: تم السماح لي بتعلم قيادة الدراجة. ومنذ هذه اللحظة اللحظة انضممت إلى شعبي الجديد من أطفال العالم الذين وقعوا في حب العجلتين. خافوا بل ارتعبوا من العجلة الامامية، حين ضغطت أياديهم على مكابحها مرة واحدة في حياتهم فانكفئنا جميعا -١٤ مليار طفل- على وجوهنا وأذرعنا فعانينا ألمًًا أنسى العديد منا الهوس بالعجلتين، ربما للأبد، وربما شكل لدى بعض منا عداء تجاه العجلة الامامية والعجلة الخلفية وكل ما يسير على عجلتين.
أنا أيضًا شخص يبحث عن الحكمة في كل شيء ومن كل شخص، حتى من مديرتي السابقة التي يذكرها جميع أصدقائي وزملائي السابقين -بل وزملاء الشركات الآخرين الذين لم نعمل معهم ولكن وصلتهم بطريقة ما او بأخرى شواهد سوء معاملتها وسوء إدارتها للكفاءات. ولا اقول “رغم ذلك” لأن هذا استدراك قد يعني تناقض أنني قد اتحفظ على التعلم من خبرتها او من حكمتها. فالحكمة موجودة موجودة، موجودة لدى الجميع ولدى كل شيء؛ فانهل منها بلا تحفظ. لديك عقل، ولدى الآخرين مهما بلغ عدم اتفاقك معهم عقل. فخذ ما تشاء وحكم عقلك.
كانت مديرتي تقول شيء شديد الحسم والحكمة ولا زلت أسمعه كل صباح حين استيقظ:
“مفيش حد عاقل عاوز يصحى من نومه ينزل يركب مواصلات ساعة عشان يشتغل تسع ساعات وبعدين يرجع في ساعتين. احنا بنعمل كدة علشان أكل العيش.“
أذكر هذا في كل صباح استيقظ فيه ناقمًا على كسر روتين حياتنا -الجنس البشري- في الكهف، كنا ننام ونستيقظ نصطاد ما يكفينا ونعود للكهف والسلام ختام. حتى عندما اكتشفنا النار وغيرنا الروتين كان بمحض ارادتنا: إضافة الطبخ الى الصيد، وإضافة الأدوات، وطبعا طبعا إضافة هذا السحر المسمى السهر والسمر إلى حياتنا. (مقال آخر بعد عمر طويل إن شاء الله عن السهر).
“مش مقبول بعد عمر طويل عايزينها بعد عمر قصير” -المحرر
وكانت أيضا مديرتي من المدافعين عن المكاتب المفتوحة (تأثيثا وتأسيسا) بحيث يكون المكتب مؤسس على هذا الأثاث من البداية. وهنا تتفوق مديرتي على دراسة أعدتها جامعة هارفارد في ٢٠١٨ وارسلها لي صديقي قبل دقائق تؤكد أن تغيير تأثيث المكاتب إلى مكاتب مفتوحة سبب نتائج عكسية على تواصل الموظفين. وهذا خطأ طبعا يا هارفارد، التغيير وإجبار الموظفين على كسر الروتين هو ما أثر على تواصلهم.
تقول الحكمة البلدي: “طالما شغالة ما تبعبصش فيها.“
وتختلف البلد كلها عن تفسير هل هي شغالة اصلا ولا مش شغالة؟
ولكن العواجيز يتفقون انهم لم يعودوا مؤهلين لقيادة الدراجة. والكثير منهم كرهها منذ استخدم استخدم المكابح الامامية فالتصق وجهه بالتراب. إذا كان محظوظا لأول مرة بفقر أهله في الريف حيث الشوارع الترابية التي تسمح لك أن تقع وتقف وتقع وتقف وتستكمل يومك كأن لم يكن، وبعضهم كرهها ولازالت أذرعه ووجهه الذي التصق بالأسفلت يلعن لأول مرة حظه من العيش في المدينة الحديثة المتطورة المهووسة بالأسفلت وبرغبة أهل المدينة بتقليد في كل شيء حتى إجباره على تعلم قيادة الدراجة، والتي لم ينقذه منها غير نصيحة طبيب أنه “مش حمل وقعة تانية في هذا العمر“ وجميعنا كبارًا وصغارًا نقدس نصيحة الطبيب وأولهم أنا -إذ نصحني الطبيب بإعادة كتابة هذه الفقرة ومحاولة تبسيطها. المهم انه من اصل ١٤ مليار طفل ولدوا منذ بداية اعتبار الدراجة لعبة للاطفال لابد أن تكون هناك نسبة ليست بالقليلة تكرهها. (ولا مصدر لهذا النسبة سوى عقلي).
ولم يحب العواجيز يومًا الدراجة النارية بالقطع. فرغم أنها حررت ألمانيا من النازية، وحررت بلادهم من الألمان، وأنقذت اقتصاد إيطاليا، وانقذت الثورة المصرية، وأعادت الحياة لمئات الآلاف من الموتيلات في صحراء أمريكا، إلا أن ١٤ مليار طفل سمعوا نصيحة واحدة علقت في ذهن أغلبهم أن الموتوسيكلات خطر جدا وتسبب الوفاة. ولا يزال كثير منهم يحن الى النازية الألمانية والفاشية الإيطالية ويكره الثورة المصرية وينقم على هذه الموتيلات التي يرى أن وجودها في الصحراء مثير للشبهة والمتاعب.
يستيقظ العواجيز من نومهم غير مستيقظين من نومهم، يمارسون روتينهم اليومي الذي هو ليس روتينهم، ويسيرون في حياتهم التي هي -وبكل اسف- حياتهم. هذه نظرة الصغار. والصغار هنا هم كل من يصغر هذا العجوز بيوم، وكل من يعتقد أنه يفهم أفضل من العجوز، وقد يصحح حياته ويحرره من الروتين الذي فُرض عليه قبل مائة عام فقط ويعتقد أنه روتينه. بينما العجوز يستيقظ ويعيش روتينه وحياته كما اعتادها. قد تكون هذه الحياة في نظرك محتاجة بعبصة، ولكنها شغالة بالنسبة له.
في احدى النقاشات العبثية بين مشاكل العالم الأول-حرفيًا- سمعت صغار أوروبيين يحاولون التنظير على أمريكا بوصفها تتحول نحو اليمين، ولا أحد من الامريكان يفعل شيئا لإنقاذها. فضحكت جدًا لأن آباء هؤلاء الصغار يصوتون في هذه اللحظة لليمين في أوروبا وأجدادهم جلبوا حرب أوروبية دمرت عالمي أنا مع أني لم أكن قد ولدت وقتها.
فهل يستطيع هؤلاء الصغار تنحية العواجيز عن هذا الدفء في التصويت لليمين المتطرف، الذي يعدهم بفرض غرامات على الدراجات الهوائية التي تعطل السيارات في إشارات المرور؟ هل يستطيع الأبناء إطفاء لمعة أعين العواجيز حينما يعلمون أن اليمين في بلدهم يقترح وضع لافتات معدنية وأرقام لكل دراجة؟ هل يستطيع الصغار تثبيط حماسة الكبار لفكرة أن هناك نظام قوي وقادر على السيطرة على كل شيء تمامًا، كما رغبوا دائما في السيطرة على اسرهم التي أنتجت هؤلاء المارقين الصغار؟ الإجابة لا.
هل يرغب العواجيز الإسبان، الألمان، البولنديين، اليوغسلافيين في رؤية بلادهم great again؟ بالطبع وبدون أي شك. هل يقبلون أن يكون هذا على حساب الرقمنة التي يكرهونها؟ على حساب فقد الكاش ورونقه والفخر بتكديسه؟ هل يقبلون ان يكون على حساب رؤية ألوان من البشر لم يعتادوا عليها؟
هل يقبل العجوز الأوروبي اليميني الذي يقدس الزواج والأطفال والأسرة الكلاسيكية القديمة بين الرجل والمرأة، هل يقبل أن يكون البديل الجيل الأوروبي الجديد من المارقين الهاربين من سيطرة العواجيز ويرفضون تقريبًا كل ما يمثله جيل العواجيز من الزواج أو الأطفال والزواج معًا، أو يرفضون الزواج من الجنس الآخر؟ لا؟! فهل يقبلون إذن إعلان الهزيمة وأن يكون بديل هذا الجيل الأوروبي جيل غير أوروبي مهاجر يقدس الزواج من الجنس الآخر ويقدس الإنجاب؟ على حساب هذه الأجيال المارقة في نظر العواجيز؟ معادلة واضحة وسهلة، ولكن إجابة العواجيز: بالطبع لا. لأن العواجيز لا يستمعون للمنطق، استهلكت طاقتهم في تحقيق المعجزة.
لا يرغب العجوز أي عجوز- أن يغير ما اعتاد عليه، هي في نظره شغالة -أو مش شغالة مش هتفرق- المهم ألا يبعبص فيها أحدهم، استنفذت طاقة العواجيز في بناء بلاد اختطفها رجال أعمال وسياسيون، ولم يعد لديهم طاقة للتغيير ولا رغبة في التغير، لا رغبة في تغير الروتين الذي اعتادوا عليه -بعد اذن حضرتك طبعا- على مدار عشرات السنين من مضاعفات عمرك الصغير. فـ “لا يوجد شخص عادي يستيقظ من نومه ينزل يركب مواصلات ساعة عشان يشتغل تسع ساعات وبعدين يرجع البيت في ساعتين لمدة ٤٥ عام!” فهذا العجوز بالفعل حقق المعجزة. فلا تنتظر منه معجزات جديدة.
واذا اردت حقًا تغيير العواجيز فابدأ من الآن، وعود الشاب الذي أنت عليه على كسر الروتين. ينصح الخبراء الأمنيين بتجنب الأنماط لأنها قد تعرض حياتك للخطر، وأنصحك أنا بتجنب الأنماط لأنها تصنع منك عجوزا سينقم عليه الصغار ولن تجد لديك طاقة ومجهود لتشرح لهم وستكتفي بنظرات ناقمة.
اكسر الروتين الآن.
وفي المرة القادمة التي ترى فيها موظفا عجوزا ناقما على الرقمنة ورافضًا التعامل مع الكمبيوتر، لا تنظر إليه على انه أُس الفساد. فأُس الفساد هو الدول التي غيبت الشفافية على مدار عقود واستيقظت الآن على سبوبة الرقمنة. وفي المرة القادمة التي ترى فيها عجوزا متقاعدا ينظر للناس شذرا لأنهم لم يعودوا ناسًا، فتذكر أنه على مدار ٧ عقود “شاف” من الناس ما يؤهله لأن يقول بكل ثقة وبكل حسم رأيه في الناس.
وفي المرة القادمة التي تقود فيها دراجتك -على اليمين في حارة الدراجات التي خصصتها الدول الجميلة المتقدمة- وينظر إليك عجوز شذرا من شباك سيارته، تذكر أن هذه الدولة بنيت على أكتافه وهو الآن يشعر أنه يستحق هذا النص متر من الشارع الذي تم تخصيصه للدراجات. أو تذكر أنه ربما سقط يومًًا على وجهه بسبب استخدام المكابح الامامية للدراجة قبل ٧ عقود.



