(صورة تصلح بعنوان السادات مستكنيصا على الشط، متمزجا بسماع الكاسيت وتدخين البايب ويبقى السؤال الام يسمع يا تُرى ؟ وهي من تصوير فاروق إبراهيم مستلة من الحوار التالي مع أندرو سيمون مؤلف كتاب إعلام الجماهير
https://items.ssrc.org/from-our-fellows/cassettes-censorship-culture-in-egypt/)
”يا اهل الله يا اللى فوق طب طلو عاللي تحت
وللا خلاص اللى فوق مش داري باللى تحت”
كتاب ملهم وربما الوعد الذي يقدمه والفكرة من ورائه أجمل ما فيه رغم جمال تفاصيله التاريخية والجهد المبذول فيها.
الفكرة في إعادة كتابة تاريخ البلاد وناسها من خلال ما يمكن تسميته بالحيوات السرية للأشياء، الأشياء هنا شئ عام للغاية قد تكون المواصلات مثل الترام والقطار والسيارة وقد تكون التقنية مثل شرائط الكاسيت هاهنا والأسطوانات وشرائط الفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي والانترنت وقد تكون أماكن مثل المكتبات ودور العبادة كالجوامع (سأحب إن أمكن الحديث لاحقا عن جامع السلطان حسن وكيف دارت به الأيام فنصب على سطحه ملاعين المماليك مدافع لمهاجمة القلعة وكيف أثر ذلك لاحقا على عمارته أو كيف امتدت الحبال منه للقلعة لتسير علبها البهلوانات ترفيها للناس.. جامع/مدرسة تتحور إلى متراس/موضع للترفيه!) والكنائس والمعابد وقد تكون الكثير غير ذلك، أما الحيوات السرية فأعني به ذلك التفاعل بين الأشياء والناس، حياتها الاجتماعية وكيف يتعامل الناس معها ويعيدون تأويلها وتوجيهها وفقا لغاياتهم وتصوراتهم وظروف حياتهم كذلك، تنحرف الأشياء عن مسارها الذي وضعت له من البداية وغاياتها المثلى التي تخيلها صناعها وأصحابها لتتحور على مد الزمن وامتداد أيدي البشر.
تكتسب الأشياء من ثم حياة خاصة بها، حياة مثيرة بفضل تلك اللمسات السحرية من أيدي البشر الذين تناولوها بالاستخدام
(الصورة لواجهة بيت ستي رحمها الله بعد أن عفا عليها الزمن واهترأت ويبدو لفظ الحج باهتا كما تحيل الرسمة على رحلته والتي تُكتسب عادة بعد العودة وقد تزينت الواجهة بهذه الباخرة الجميلة العائدة من الحجاز بعد زيارة بيت الله ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم قبلها كان الجدار أصم ككل جدار آخر ثم امتدت له الأيدي فزينته وجملته وتركت عليه بصمتها الشخصية والاجتماعية المميزة فاكتسب بذلك تاريخه الخاص وقدرة على إنشاء الحوار مع كل مار به ..وأصبح ممكنا من خلاله تأمل تاريخ الممارسات الاجتماعية وتجلياتها المختلفة، تستحق القاهرة وسائر مدننا نظرة جديدة من خلال تلك الجداريات الشبحية Ghost Signs وتأريخا مستخلصا منها ومن تتبعها، للدكتور المسيري كلام جميل عن رسومات الحج تلك في رحلته الفكرية على ما أتذكر وهناك كذلك كتاب رائع عن رسومات الحج في مصر لآن باركر من إصدار المركز القومي للترجمة)
المثير كذلك والملهم أيضا هو أن تلك الحيوات السرية أو الاجتماعية للأشياء تكسر احتكار السلطات التي تحاول دوما فرض القيود على الأشياء وتحرص دوما على أن تدجنها وتنزع عنها كل إمكاناتها الثورية والتحررية بحيث تصبح أداة كابية باردة رتيبة في يد السلطة تعزز بها رؤيتها وصورتها التي ترسمها عن نفسها وتروجها بين أتباعها.
أما بتتبع هذه الحيوات السرية سرعان ما يتحرر الباحث من كثير من القيود مثل ما ذكر أندرو عن الحظر المفروض على كثير من الوثائق والسجلات الرسمية ومنع الوصول إليها وحرمان الناس من رسم صورة أقرب للواقع عن تاريخهم وفرض رؤية السلطة الرسمية دوما عليها لأنها وحدها من يملك الوصول للوثائق، هنا مثلا يستعين الباحث بما دعاه أرشيف الظل وهو هذا الأرشيف الذي لا يملك أحد احتكاره والمتجمع من الروايات الشفوية والمصادر الثانوية والهوامش المتناثرة والأجزاء المادية التي تحتفظ ببعض من التاريخ ومستغلا ما اسمته لوسي ريزوفا ب”منهجية الأزبكية” وتشمل البحث في الأماكن المختلفة مثل سور الأزبكية عما خلفته الأجيال الماضية وقلما يلتفت إليه.
كان يخطر ببالي مع تقدمي في القراءة أن هذا شئ رائع ومنعش وشاق كذلك، تخيلت مثلا دراسة تاريخ القاهرة وناسها من خلال طباعة الكتب وتفاعل القراء معها وهوامشهم المدونة عليها واهداءاتهم وما يتخلف فيها من رسائل أو ورود أو يظهر في مقدمتها من تملكات أو مناقشات على الهوامش مما لا شك وجد مثله كل قارئ للكتب وكل زائر للأزبكية، أو مثلا كمثل دراسة أغلفة شرائط الكاسيت وما تضمنته والشركات التي أنتجتها يمكن كذلك دراسة أغلفة الكتب واختلاف الخطوط و اللوحات المختارة بعناية للتعبير عن محتواها وارتباط ذلك بفناني تصميم أغلفة الكتب وانتشار دور النشر وشركات الطباعة ثم أفولها وما تلاشى منها وفي أي ظرف
(دعوة سلامة موسى لحرية الفكر لاقت صداها بصورة مميزة عند أحد القراء والذي أخذ على عاتقه تحذير الأجيال القادمة بعبارة موجزة حادة يبدو فيها العداء الواضح بعد تخلصه طبعا من الكتاب والذي انتهى ذليلا بائسا على بسطة كتب عشوائية، المثير في الصورة أيضا لفظ “بن” بين كافر وكلب، في العادة مع النطق تبدو الألف في ابن واضحة مؤكدا عليها لكن القارئ هنا اختار الصيغة العربية الفصحى، أين عفوية الغضب ؟ هل هي العادة ؟ أم هدوء من يصدر حكما نافذا في غير انفعال ؟ - الصورة من التقاطي)
أتذكر جيدا كيف كنت أمر على مكتبة بشارع الجمهورية قرب جامع الكخيا العتيق كنت أعرف أنها وريث دار العروبة التي أسسها محمود شاكر، كنت كلما زرتها تنسمت ريحه وريح محققي الكتب العلماء من أصحابه وكنت اتعجب من تغيرها ولكن احمد الله على بقاءها على كل حال ثم وفي زيارة لاحقة بعد عدة سنوات فوجئت بزوالها وتحولها لصالون حلاقة تقريبا أو لا اذكر ماذا، خطر ببالي ذلك وأنا أقرأ عن كشك المعادي وشرائطه الوفيرة والتي تكشف عن ماض حي مثير ثم كيف تراجع ذلك وفقد معظمه في غضون بضعة سنوات فقط، زوال الأشياء وتقلب القاهرة بما فيها مرعب ومخيف وصعب تصوره ما لم يعش المرء فيها ويشهد بعينه مثل ذلك
(الصورة من كتاب إعلام الجماهير لأندرو سيمون)
أثارت هذا المعنى ايضا، أعني التحولات المثيرة للأشياء في خلال تاريخها، في ذهني ما اعتبره أجمل صور الكتاب بلا منازع وهي الصورة التي تعرض شريط كاسيت على وجه منه مكتوب بوضوح بيتهوفن وعلى الوجه الآخر مكتوب في أسفله الموسيقى الكلاسيكية الأكثر شعبية وفي أعلاه ورقة بيضاء ملصقة مكتوب عليها “حسن الأسمر/ أنا اها” تلخص الصورة الكتاب كله، ففي قلب بكرات هذا الشريط كان يرقد المرحوم بيتهوفن شهيد الكلاسيكية ورمزها الكبير ثم جاء حسن الأسمر ليطرده منها بوضوح ويزيحه بكل جرأة وخفة قائلا كما المكتوب أنا أهوه، وانت أهوه يا عم بيتهوفن مطرودا ذليلا.
هذه يد الناس تتدخل لتزيح السلطة المعرفية أو الموسيقية في هذه الحالة والمفروضة بالطبع من أعلى لأنه يعني ببساطة ياريت حد يبلغني من سيسمع بيتهوفن بين الجموع الشرقية الغفيرة والتي لا يمثل لها أي شئ كلاسيكي على الإطلاق، تزيحه يد الواقع عن مركز الصورة إلى حيث يستحق على الهامش وتضع محله حسن الأسمر بكل ثقله كمغني شعبي محبوب تتمزج بسماعه النفوس الحزينة وهذا باختصار كتاب حياته ورحلته من الشارع إلى إزاحة بتهوفن عن شريط الكاسيت ومزاحمته بالمنكب على أذن السامع.
اللطيف في الكتاب أيضا التتبع الشاق والذي يستحق التقدير للصحف المصرية وتقاريرها وتوثيقها للحياة الصاخبة لأشرطة الكاسيت والمسجلات، كان الحقيقة فصلا في غاية المتعة متابعة تنقل السلع عبر الحدود وخلال الجمارك ثم في السوق السوداء وسرقة قطع غيار السيارات والحيل الوفيرة للتغلب على قيود الدولة المفروضة، كان لطيفا ايضا ملاحظة الكثير من العناوين المثيرة للتقارير الموجودة في الصحافة في ذلك الحين مثل “السيناتور لا يسرق نهارا” “الدلع سبب مصيبتي” “أربعة في قاع المدينة” وغيرها وهذا يشير كذلك للأنواع الكتابية التي تنشأ على هامش هذه التقنيات كما نشأت قوات الشرطة لمكافحة القرصنة الفنية وتشكل اللجان المختلفة لملاحقة الألحان المسروقة والأغاني المزورة والاذواق الهابطة كما زعموا. حياة كاملة الملامح وقصص كثيرة تحتاج فقط من ينفض عنها الغبار ويكرس الجهد اللازم للتنقيب عنها.
عزموك فقالوا تعالى تاكل بونبون و هريسة
قومت أنتَ لأنك مهيف صدقت إن إحنا فريسة
طبيت لحقوك بالزفة يا عريس الغفلة يا خفة
هات وشك خد لك تفه شوبش من صاحب البيت
ماهو مولد ساير داير شيء لله يا اصحاب البيت
(من ترحيب الثنائي نجم وامام بالرئيس الأمريكي نيكسون والذي ذاع وانتشر في مقابل الرواية الرسمية التي حاولت بكل وسعها وإمكاناتها للحشد والاحتفال به وهنا يبدو وسيط كالكاسيت وسيطا للمقاومة ونقض رواية السلطة وقد أظهر الكتاب ذلك بشئ من التفصيل اللطيف مرفقا بالصور والاحالات)
كان من اللطيف كذلك القراءة عن ردود الأفعال على ظهور المغنين الشعبيين مثل أحمد عدوية وغيره وملاحظة الطيف المتنوع من الاستجابات من الرفض القاطع إلى الاعتناق و المباركة وبينهما الخطى المترددة، وهنا بصراحة أجد أن المعالجة كانت تحتاج قدرا من التفصيل والتركيب لتجاوز سردية عبد الوهاب وام كلثوم وعبد الحليم في ناحية كممثلين للسلطة وذيول لها وأبواق تنطق باسمها بالضد من فنانين كاحمد عدوية ممثلا للجانب الشعبي ولصوت الناس او الشيخ إمام كتيار ثوري رافض للسلطة ثائر عليها (لم يف ما ورد في الكتاب عن الشيخ إمام للأسف بما تمنيت منه وقد كنت أرجو أن اقرأ فيه شيئا من تتبع صعود الثنائي نجم وامام وارتباط ذلك باشرطة الكاسيت مع إضافة شئ من تحليل كلمات الأغاني على ضوء الحالة الاجتماعية والسياسية حينها).
فالحقيقة أن رجلا كعبد الوهاب فائق الذكاء والموهبة كان أكبر من السلطة في الواقع وهو سابق عليها قد تأسست شهرته وسلطته الفنية أولا على موهبته اللحنية والغنائية الفذة وكذلك كان ذلك في العصر الملكي وزمن الاستعمار أي لم يكن في النهاية بهذا المعنى فنانا للسلطة ولذلك تجد مواقفه دوما مركبة، مثل موقفه من الشيخ إمام مثلا وقد اثنى عليه وعلى غناءه واعتبره امتداد للشيخ سيد درويش أو كما اثنى على عدوية وأنه في النهاية الناس تحتاج لكل هذه الألوان الغنائية المختلفة بسبب تنوع الأذواق وهو شئ طبيعي وصحي. صحيح أنه اختار بوضوح وبصراحة أن يندرج في سلك السلطة وان يطبل لها ويتغنى إنجازاتها لكنه ليس متسلقا تافها استناده الأساسي عليها
(انظر هنا مثلا لرؤية عبد الوهاب وطريقته والتي تتجلى بالتناقض مع رؤية عبد الحليم فبينما يسعى الأخير جاهدا لاستخراج حكم بالذم على تجربة الشيخ إمام من عبد الوهاب فإنه ينتهي بالفشل لأن تقدير عبد الوهاب للحن والصوت بجانب موهبة عبد الوهاب نفسه تمنعه من الانبطاح التام للسلطة وتبني آرائها بدون مسائلة ولو ضمنية والتعريص المجاني لها)
وهذا ما يسوقني كذلك للحديث عن الشيخ عنتر وتسجيلاته القرآنية وابدأ أن البيئة المصرية في أول القرن العشرين قد امتزج فيها الغناء بالتلاوة بحيث كان الكثير من شيوخ التلاوة موسيقيين كما كان الموسيقيون شيوخا أو تلامذة للشيوخ، الشيخ درويش الحريري والشيخ زكريا أحمد والشيخ الصفتي وكبيرهم الشيخ علي محمود ومعهم قطعا قبلهم الشيخ سيد درويش والشيخ القارئ مصطفى إسماعيل كان معروفا عنه اتقان المقامات وكذلك الشيخ البنا والمنشاوي وعبد الباسط ولاحقا الشيخ محمد عمران.
كل هؤلاء كانوا محل ترحيب ومنهم من لم يقرأ في الإذاعة مثل الشيخ عمران ولكن لم يقدم أحد على منعهم رغم جمال الأصوات والتطريب الهائل في القراءة والتلاعب بالمقامات لأن مدار الأمر في النهاية ليس على احتكار سلطة معينة، هذا قد يصح مثلا في المنع والمنح من القراءة في الإذاعة لكن في حالة الشيخ عنتر فالخطأ في التلاوة كان المانع له، كان يمكن للرجل بوضوح ان يكون مغنيا لكنه اختار التلاوة فلذلك لابد أن يتعلم أصول القراءات فقط ثم يطرب كما شاء، أريد أن أقول أن معنى السلطة هنا يحتاج لتحرير ويدها الخفية كانت ممثلة في جوانب أخرى أجدر بالدراسة لكن على كل حال الإشارة نفسها لطيفة وتكشف عن الثراء في التعامل مع التقنية والجوانب التحررية التي تستعصي على الضبط.
هناك الكثير للحديث عنه مع موضوع ممتع كهذا لكن يبقى أني وجدت طمعي وآمالي قبل قراءته كانت أكبر مما وجدت فيه رغم المتعة الكبيرة التي تضمنها، لعل الأمر في النهاية راجع لجدة الموضوع وطرافته ولعل قادم الكتب من أندرو نفسه أو من غيره ممن يحفزهم العمل لمثل ذلك أن يمتعنا ويلبي طموحاتنا بكشف المزيد من هذه الجوانب المثيرة في تاريخ مصر و أهلها. هناك أيضا شئ غريب في الترجمة لا أستطيع تحديده تماما جعلها أقرب للآلية وافقدها مواكبة إيقاع طرافة الموضوع وحيويته، لا أدري ربما هو انطباع خاطئ لكنه لم يفارقني طيلة الكتاب وافقده بعض جاذبيته.





