في المدن التي تُخفي قلبها خلف ضجيجٍ لا ينقطع، حيث تتكدّس الخطوات فوق آثارٍ لم تندثر بعد، وتبقى الأرصفة محتفظة بحرارة من عبروا عليها ثم مضوا دون التفات، تنشأ الكتابة من احتكاكٍ خافت بين ما يُعاش وما يستعصي على الاحتمال. تغدو الكتابة الروائية فضاءً رحبًا لترميم شروخ الذاكرة وبعث الأرواح الهائمة في أزقة المدن الكبرى، رابطةً عوالم الهامش المنسية بأضواء الوعي الساطعة. ومن هذا العمق تنفتح رواية موال البيات والنوم للأديب خيري شلبي، كليلٍ طويل يتردّد صداه في الداخل قبل أن يستقر في اللغة، مخلدةً نبض المعاناة الإنسانية الصامتة، ومحولةً رحلة البحث عن ركنٍ للنوم في شوارع القاهرة إلى ملحمة وجودية تعكس تشرد الروح قبل تشرد الجسد.
تمضي الصفحات كأنها تيارٌ لا يعرف السكون، تتبدّل ملامحه مع كل التفاتة، وتتجاور فيه اللحظات دون أن تخضع لترتيبٍ مألوف. تنبثق الحكايات من هذا التدفق متخذةً مساراتٍ متباينة تتقاطع وتتماس، ثم تبتعد قليلًا، محتفظةً بخيطٍ خفي يجمعها. يتبنى النص من الموال مرجعية هيكلية تمنحه إيقاعًا شفاهيًا مميزًا، فينمو البناء الفني كشجرة وارفة يتفرع ساقها الأساسي المتمثل في البحث عن مستقر للنوم إلى حكايات شتى ترويها الشخصيات التي تصادف الراوي في ليله الطويل. يمنح العنوان العمل عتبة نصية بالغة الثراء، إذ يستحضر مقامًا موسيقيًا حزينًا في موضع، ويشير إلى رحلة البحث المضنية عن مستقر للجسد المنهك في موضع آخر.
تتكشف المدينة طبقةً تلو أخرى؛ فتنفتح مع كل خطوة زاوية، ويلوح مع كل التفاتة تفصيل. الرصيف يحتفظ بخشونته، المقهى يفيض بأحاديث تتعثر في منتصفها، والغُرَز تنكمش في عتمتها، بينما تمتد المقابر في الخلفية كفضاءٍ تتجاور فيه السكينة مع رهبةٍ خفيفة. تتحرك الشخصيات في هذه الفضاءات المتعددة، صانعةً جغرافيا نفسية تعكس تحولات المجتمع وتعرجات الروح الإنسانية عبر التنقل المنهجي بين برودة الأرصفة، ودفء المقاهي الثقافية، وزوايا الغرز الضبابية، وسكينة المقابر. تمنح هذه الأمكنة حياةً تجعل من الحجر رفيقًا يشعر الكاتب بآلامه ويخشى فقدانه. في قلب هذا الامتداد، تتراخى الحدود بين اليقظة والحلم، وتعتمد الرواية على تقنية الهذيان الواقعي حيث يختلط الحلم باليقظة، وتتحول الرغبة الملحة في النوم إلى حالة فانتازية يتقمص فيها الراوي شخوصه ليعبر عنهم بفعل المعايشة الدرامية. يمضي الراوي متخففًا من كل ما يُثقِل، كارهًا للحقائب التي تقيده، وحاملًا ما يتعذر طرحه من هموم الآخرين. تتسع حركته لتشمل العابرين، يقترب منهم حتى يذوب في تفاصيلهم، فتخرج الحكايات نابضة بحرارتهم، متشبّعة بقلقهم. تتعدد الوجوه وتتباين نبراتها، كبورتريهات حية تنبض بالصدق؛ فيمر الأديب المشرّد المتأبط للمجلات والكتب، والمصور الذي يفيض نبلًا وشهامة، وبائع اللب الحالم باحتراف الأدب، ليعبر كل فرد منهم عن نغمة متميزة في تلك الأوركسترا الكبرى التي تعزف لحن البقاء.
يتحرك الزمن على نحوٍ مراوغ، فلا يستقر في موضع، ولا ينساب في خطٍ واضح، بل تتجاور اللحظة مع ما سبقها وما يلوح بعدها، صانعةً منطقة ضبابية ساحرة تقع بين الذاكرة الفردية والتخييل المطلق. يتسلل التعب إلى اللغة نفسها، فيجعلها أكثر قربًا من الشعور، وأشد التصاقًا بما يُعاش. تتمايل الجمل وفق إيقاعٍ داخلي، تتسع حين يتسع الشعور، وتنحسر حين يضيق، وتنساب الكلمات كأنها تبحث عن نغمتها الخاصة. يتجاور البوح مع الصمت، وتتولد من هذا التجاور طبقة صوتية تحمل أثر الحكي الشعبي، وتستدعي في الوقت نفسه حساسيةً لغوية قادرة على التقاط أدقّ الانفعالات.
يتردد حضور خيري شلبي في عمق هذا النسيج كخبرةٍ حيّة تشربت ما حولها، وانسكبت في اللغة دون ادعاء. تتداخل ملامح الذات مع وجوه الآخرين، وتذوب الحدود بينها، فتتشكل تجربة تتسع لما يتجاوز الفرد، وتقترب من صورةٍ أرحب للإنسان في مواجهة يومه. ومع اقتراب الصفحات من نهايتها، يهدأ الإيقاع تدريجيًا دون انطفاءٍ حاد، كما يهدأ صوت الموال حين يبتعد في فضاءٍ مفتوح. يظل أثرٌ خافت عالقًا، يشبه برودة الرصيف حين يلامس الجسد، أو دفء حلمٍ مرّ سريعًا وترك ظله ممتدًا في مكانٍ لا تصل إليه الكلمات بسهولة.



