كانت مقابلتي الأولى للوحش المختبئ داخل الإنسان في الصفّ السابع كما أتذكر.
كانت حصّة دراسيّة فارغة لا أذكر سبب فراغها، لكنني أتذكر نبرة صوتها وهي تقترح باسم منصبها التعليمي شيئًا لن تعرف -وربما لن تتذكر- أنّه سيعلق في ذاكرتي للأبد.
شرحت لنا في البداية عن مفهوم النسبة الذهبية، عن الرقم الأكثر مثاليةً في الكون، عن الواحد والستة من عشرة.
“دون إطالةٍ في الشرح، النسبة الذهبية تقول أنّه عند تقسيم خط إلى جزأين، تكون نسبة الجزء الأكبر (أ) إلى الأصغر (ب) هي نفس نسبة المجموع الكلي (أ+ب) إلى الجزء الأكبر (أ)
في كل الأشياء في كوننا، سيكون الناتج الرقم نفسه، ١.٦١٨٠٣٣٩٨٨٧٥ “
أصداف البحر، عباد الشمس، الأهرامات، جسد الإنسان، كلها ستؤدي نحو ذات الرقم، أتذكر وقتها انبهاري بالمعلومة، وتعجبي من قدرة الخالق وانبهاري بكونه، وأتذكر أيضًا رفعها مسطرةً بيدها اليُمنى، قائلة أنّها ستقوم بحساب المعادلة بناءً على مقاييس وجوهنا، لترى أيُّنا أكثر قربًا للمثالية، أكثر قربًا للرقم المنشود.
كُنّا في طور النمو، ملامحنا المتغيرة، أجسادنا التي تتبدل، هرموناتنا التي تسيطر في جشع على تكويننا، في أكثر أوقاتنا انعدامًا للمثالية، وجدنا أنفسنا نختبرها فينا.
وقتها فحسب، شيءٌ خفيٌّ بدأ يتكون في الظلام، شيئًا أسود حالك راح يتكون فينا و بيننا، دون أن نشعر، دون أن ينتبه أحدنا لذلك الوحش الذي يستعد لإخراج نفسه ومواجهة العالم.
أرقامٌ قريبة جدًا، أرقامٌ بعيدةٌ جدًا، أرقام شبه مثالية، وأخرى مثاليةٌ بالفعل، ضحكاتٌ تتعالى، سخريةٌ تزداد، إحراجٌ يتكوّن، أرقامٌ تختبئ في الحلق ترفض أن تُنطق، وأرقامٌ مثاليةٌ رُفض قبولها، بل يتسلل إلى مسامعي وصف “قبيحة” لتلك التي اقتربت من الرّقم ١.٦ !
ها هو السواد يغطينا، يعبث بعقولنا، رأيته، ذلك الوحش، يقفز مِن فتاة إلى أخرى، يهمس في أذنٍ ثم يلتفت نحو أخرى في خبثٍ شديد، وحدي سمعت صوت فحيحه كما الأفعى، ووجهه الذي يحمل كل ملامح الظلام، لَم يخفني أن رأيته، بل أخافني حقيقة أنني وحدي من رأيته، رأيت كيف ساهم في الفوضى، كي أيقظ أولى أعواد الكبريت مُشعلاً النيران، جُن جنون الصف، أسمع الأرقام تتراشق كالمناجيق، تصيب البعض وتفلت مِن الآخر كأسهمٍ لا يعرف راميها هدفه ولا مقصده، أيادٍ تُرفع لتشير لوجوهٍ شابةٍ في سخريةٍ بحتةٍ قاسية، أصوات تتعالى، بعضها يسخر، بعضها يبرر، بعضها يدافع، وبعضها يتعالى على الآخر.
أتذكر رؤية فتاةٍ منّا، تتقدم وسط الحشود ترفع يدها، تطلب طلبًا واحدًا لا غير، أسمعها تقول : أريد أن أعيد حساب نسبتي، يستحيل أن يكون عرض وجهي مِن الأذن للأذن هو ٦ سم فحسب، من غير المنطقي أن نقيس بمسطرة!
أراها تطالب، تنادي بالمنطق، أدركت أن الحسابات خاطئة، لكن ما فائدة المنطق حين يصاب العالم بمسٍ مِن الجنون؟ مَن سيدفع ثمن العقل حين تكون المساومات أصلاً بغيره!
وكأنما نطقت بكلمة الكفر، أراهم يتجمعون حولها، يصفونها بالجبانة القبيحة، المعترضة التي تحاول أن تغيّر نسبتها، أن تجعل نفسها أكثر مثالية.
وقفت هناك دون حراك، أراقب المشهد في رعبٍ حقيقي، أرى السواد يزداد مِن حولنا، أرى عالمًا ديسوتوبيًا مصغرًا يتكون في حجرة الصف، والوحش يتقافز أسرع فأسرع دون رحمة، بضعة أرقام لَم يكن أحدٌ يعرفها بالأمس، بل منذ ساعة فحسب، أظهرت شياطينهم المخفية، مسحت عقولهم، دمّرت منطقهم، غزت تفكيرهم، وهزمت بكل بشاعةٍ إنسانيتهم.
لكن رعبي الأكبر كان في حقيقة أن الأرقام لَم تكن كُلها صحيحة، بعضها خطأٌ في الحسابات، ومعظمها خطأٌ في القياسات بسبب المسطرة غير المؤهلة للقياس.
بمعنى آخر، كان كابوسًا، كان نزاعًا مبنيًّا على وهم، كانت حربًا أنشئت من فراغ، كانت وحوشًا استيقظت بناءً على أشياء لَم تكن أصلاً صحيحة، كانو سيقتلون بعضهم خزيًا وعارًا بناءً على قياسٍ خاطئ، مبنًى كاملٌ مِن الأذية دون أن يكون له أساس!
لكن في ذلك العالم المجنون، لَم تعد هنالك فرصةٌ للتراجع، من طالب بإعادة الحساب تم اتهامه بالجبن والقبح، ومن رفض أن يعيد كان خائفًا من أن يتضح أن رقمه أبعد عن مثاليته التي استعلى بها على زملائه!
نسبةٌ وُجدت لتكون دليلاً آخر على مثالية خلق الإله، استعملها البشر ليعلو بسلطة الجمال النّسبية عن بعضهم البعض.
أدركت يومها إلى أي مدى يُمكن لمعلومةٍ خاطئةٍ أن تودي بالجموع، كيف لخبرٍ كاذب أن يحوّل مجتمعًا آمنًا إلى خرابة، وكيف لإشاعةٍ واحدةٍ أن تعيث فسادًا غير قابلٍ للسيطرة.
حتى اليوم، أراه أحيانًا…حين يصدر خبرٌ كاذب، حين تُنشر إشاعةٍ بغرضِ إثارة الجدل، حين تتعالى أصوات الاختلاف دون تأكدٍ أو تحققٍ أو رجوعٍ للمصدر، أو حتى حين تذُكر النسبة الذهبية، أرى الوحش، بطيفه الأسود، يتقافز، يقترب…
قسم العيادات الخارجية هو القسم الذي نستقبل عليه كتاباتكم التي تصلنا عبر الإيميل. للتفاصيل انظر هنا




مقال جميل أحسنتِ السرد