لم يكن اللقاء عابرًا؛ بل كان على قصره طويل الأثر في نفسي، شديد الوقع في قلبي، ففي أحد شوارع الحي الذي أقطنه، التقيت بالسيدة “س”، معلمتي في المدرسة الابتدائية؛ تلك المرأة التي كانت يومًا تقف أمامنا بثباتٍ لا يتزعزع وصوتٍ لا يهتز، كنا نردد خلفها الحروف والكلمات، نؤدي الواجب ونحذر الخطأ ونأمن العقاب، وننظر إليها نظرة الخطر الجاثم والسيف القاطع، ونحسبها — في وعينا الطفولي — جزءًا من الأشياء التي لا يطالها التغيّر.
لكنها الأيام، مرت سريعًا، وبعد أكثر من عشرة أعوام، ها أنا ألتقي بمعلمتي العزيزة.. تبادلنا الترحيب والتهليل؛ لطالما كنت طالبها المفضل في الصف، ولطالما كانت شديدة اللطف معي دون أغياري، تحدثنا عن أخبارنا وأحوالنا، إلا أننا لم نحتج إلى الكثير من الكلمات؛ فتغيُّر الملامح كان أفصح من أي شرح.
صارت ترمقني بحب شديد، وبشاشةٍ منعدمة النظير، وعينين تلمعان بالفخر والتقدير.
رأيت في حدقتي عينيها انعكاس صورة الابن الذي كبر، والثمرة التي نضجت، والحلم الذي تحقق.. أما أنا، فكان الحزن يزاحم السرور في قلبي بينما أنظر إلى ما شاب من وجه، وما فُقد من عنفوان، وما ضعُف من سمع، وتساقط من أسنان.. عندها أدركت أن اللقاء لم يكن بها وحدها، بل بالزمن نفسه.
منذ ذلك الحين، كلما التقيت إنسانًا قد عرفته يومًا في ذروة حضوره، ثم أعود فأراه وقد أثقلته السنون وعصفت به الأيام، لا يطرق قلبي الحزن وحده، بل شعور مركّب يصعب تسميته؛ إنه ليس الأسف على ما فقده من ملامح الشباب أو قوة الجسد فحسب، بل على هذا التحوّل الصامت الذي يطرأ على الإنسان دون استئذان: شعر يشيب، وجسد ينكمش، وخطوات تتباطأ، وكأن الزمن لا ينتزع منا العمر دفعة واحدة، بل يسترده قطعة قطعة، وفي هدوء قاسٍ..
غير أن هذا المشهد لا يوقظ في داخلي الخوف من الشيخوخة بقدر ما يوقظ الوعي بحقيقة الإنسان؛ كونه كائنًا مؤقتًا، مهما طال به المقام، ومهما بدا ثابتًا في أعين من حوله، سينتهي إلى زوال.
فالقوة التي نعتادها، والحضور الذي نطمئن إليه، ليسا إلا حالتين عابرتين في مسار أطول، ينتهي — في الغالب — إلى هذا الوهن الذي نراه ولا نحب أن نتخيله لأنفسنا.
ومن زاوية أعمق، يدفعني هذا التحول إلى تأمل معنى الدوام ذاته، فالإنسان في ضعفه وشيخوخته، يصبح مرآة غير مباشرة لمعنى الألوهية؛ لا بوصفه خطابًا دينيًا مباشرًا، بل بوصفه مقارنة وجودية صامتة بين من يتغير ويفنى، ومن لا يعتريه زوال ولا يلحقه نقص.
عندها تتراجع أوهام الكمال والاكتمال، ويستقر في النفس إدراك هادئ بأننا لسنا إلا عابري سبيل؛ نلحق بمن سبق، ونترك آثارًا من خلفنا تنبّه اللاحقين إلى هذه الحقيقة؛ أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.
والسؤال هنا: هل يكمن حزننا الحقيقي في رؤية الشيخوخة ذاتها، أم في انكشاف الوهم الذي كنا نعيشه عن أنفسنا قبل أن نراها مجسدة أمام أعيننا؟
لم يكن هذا المعنى بعيدًا عني وأنا أستعيد بعض المشاهد من رائعة نجيب محفوظ “حديث الصباح والمساء”؛ تلك الرواية التي لا تسرد حكاية بطل واحد، بل حكاية الزمن نفسه، يولد فلان في سطر، ويموت في السطر الذي يليه، وبين الميلاد والممات حياة كاملة تُختصر كما يُختصر النهار بين فجر ومغيب.
شخصية ترتقي، وأخرى تفلس، وثالثة تتزوج، ورابعة تُشيَّع إلى قبرها؛ وكأن الوجود كله محطة قطار يتوافد عليها الناس في آن واحد بين قادمٍ ومغادر، لا يغير القطار ميعاده من أجل راكب، ولا ينتظر الناس بعضهم بعضًا، ولا تتوقف الحياة حدادًا على أحد.
كنت أتأمل هذا المعنى مع زوجتي، ونحن في مطلع عقدنا الثالث؛ تتوالى على أسماعنا أخبار الراحلين ممن شكّلوا أطراف طفولتنا وذاكرتنا، أشخاص لم يكونوا عابرين في حياتنا، بل جزءًا من تفاصيلها الصغيرة: ضحكة هنا، وموقف هناك، شعور لا ينسى، وذكرى لا تتكرر.
وفي الوقت نفسه، كانت تأتينا أخبار أخرى مفعمة بالبدايات: حفل زفاف، مولود جديد، ترقي وظيفي، نجاح دراسي، وكأن كل لحظة ميلاد فرح هنا، تقابلها لحظة فراق وغياب حبيب هناك، وكأن الحياة لا تمنح شعورًا خالصًا؛ إنما تمزج الفرح بالحزن كما يمتزج الصباح بالمساء، فلا صفاء مطلقًا لأحدهما.
عندها أدركت أن ما رأيته في وجه معلمتي لم يكن استثناءًا، بل قانونًا يسري في الجميع..
هؤلاء الذين كبروا أمام أعيننا، ثم شاخوا، ثم غابوا، لم يرحلوا دفعة واحدة؛ بل انسحبوا من أعمارهم كما تنسحب الموجة من الشاطئ، بهدوء لا يُنتبه إليه إلا بعد أن يترك أثره.
وها أنا، في مقتبل عمري، أرى أطراف المشهد تتبدل من حولي، فأشعر بشيء من الحسرة؛ ليس فقط لأن من أحببتهم لن يحضروا أفراحي القادمة، بل لأنني بدأت أرى دورة الحياة تعمل في محيطي المباشر، بلا تمهيد ولا استئذان.
ولطالما علقت في ذهني جملة وردت في تتر العمل الدرامي المأخوذ عن رواية حديث الصباح والمساء تقول: «لحظة ميلاد الفرح كان فيه حبيب رايح» .. كنت سمعتها من زوجتي أول الأمر بشيء من الأسى، ورأيتها تعبيرًا صادقًا عن هذا التداخل المؤلم بين الأفراح والأحزان.
غير أنني، بعد طول تأمل، بدأت أنظر إليها من زاوية أخرى: لماذا نعدّ غياب الحبيب هو الحدث الطارئ، وميلاد الفرح هو الأمر الطبيعي؟ لماذا نستغرب الفناء — وهو سنة الوجود — ولا نستغرب الميلاد — وهو نفحة العطاء؟
ربما لأن من طبيعة الإنسان أنه يألف النعمة حتى يظنها حقًا مكتسبًا، ويعتاد الحضور حتى يتوهم دوامه؛ فإذا جاء الفقد بدا له كأنه خروج على نظام الأشياء، لا عودًا إليها.
مع أن الحقيقة الأهدأ — وإن كانت أثقل على القلب — أن الوجود نفسه استثناء كريم، وأن كل لحظة ميلاد هي منحة تستحق الدهشة قبل الاعتياد، والشكر قبل الألفة.
وكم مرة تأملت مع زوجتي هذه الثنائية المركبة؛ التقاء الحزن والفرح، الحضور والغياب، الوجود والعدم، كما لو أنها لحظة غروب الشمس بوجهها الأحمر وهي تتدلى خلف أسوار النخيل، بينما تفسح المجال وتترك السماء للقمر كي يكشف عن وجهه في ظلمة ليل بطيء ليكون أجمل مصابيح السماء..
إن من رحم الحزن يولد السرور، ومن ظل الغياب يطلع فجر حضور آخر، غير أننا — بحكم الجبلة — نشدّ أبصارنا إلى الغروب أكثر مما ننتبه إلى الشروق، ونحصي ما فقدناه أكثر مما نحصي ما وُهب لنا.
وليس في ذلك إنكار لحق الحزن؛ فالحزن وفاءٌ، ودمعُ العين شهادة محبة، لكنه تذكير للنفس بألا ترى المشهد من زاوية واحدة، فإذا كان الفناء هو المآل، فإن الميلاد معجزة متكررة، وإذا كان الرحيل قدرًا محتومًا، فإن كل اجتماع قبل الرحيل فضلٌ محض لا استحقاق فيه.
عندها فقط تستقر هذه الحقيقة في القلب:
أنه ليس علينا أن نستغرب رحيل من نحب، بل الأجدر أن نتعجب كيف مُنحنا زمنًا كافيًا لنحبهم أصلًا!




A beautiful meditation of the meaning found within dualities. The astounding fact that sufficient time and space exist in which identity may form.