تدوينات طعمية
مواطن بدرجة سائح (الجزء الأول) : وهم الانتماء الأول والحقائب التي لا تُغلق
في البدء كان الصباح، وكان الصباح هناك له طعم ورائحة لا يخطئهما أحد. رائحة المخبز المجاور لـ فوال الطايف، وتدافع الأيادي لتخطف التميس وهو ساخن بينما يُجهز العامل طلبنا الدائم: فول طاوة يغلي بالزيت، وصحن عدس، وواحد كبدة بالجبن، والتي كانت قمة الترف الصباحي. تلك التفاصيل الصغيرة، وتلك العودة المظفرة بالإفطار إلى البيت، هي من ضمن تعريفاتنا القليلة في الغربة للأمان والاستقرار. لكن خلف هذا الستار الدافئ من الطمأنينة اليومية، كانت حقيقة قاسية تتوارى عن أعيننا الصغيرة: نحن لا نملك الأرض التي نمشي عليها، ولا هناك جذور تثبتنا بها.
لنفهم هذه الحالة المربكة، علينا العودة إلى الوراء قليلاً؛ تحديداً إلى السبعينيات حيث كانت البداية. شكلت تلك الحقبة نقطة تحولٍ جذريٍ في حياة المصريين؛ إذ تزامنت الطفرة الخليجية والحاجة الماسة لليد العاملة، مع “قوى الطرد المركزي” المصرية المتمثلة في ازدياد الضغوط الاقتصادية والنمو السكاني المتسارع إلى ما نحن فيه، فجأة انقلبت الآية؛ تحولت مصر من دولة مستقبلة للهجرات، إلى دولة مهاجرة بحد ذاتها... بل تحولت في الواقع إلى “مفرخة بشرية” للمنطقة بأسرها. لم تكن تلك هجرة عمالة مؤقتة كما ظنها الآباء، بل تحولت بمرور السنين إلى ظاهرة ديموغرافية ضخمة. وبلغة الأرقام تشير الإحصاءات إلى أن عدد المصريين بالخارج يتخطى اليوم حاجز الـ 11 مليون مغترب. اللافت في هذه الخريطة أن دول الخليج تستحوذ وحدها على نسبة كاسحة تتجاوز 70%، بينما تتربع المملكة العربية السعودية على رأس القائمة محتضنةً أكبر جالية مصرية في العالم بأعداد تفوق 2.5 مليون مصري. هذا الانتقال الجماعي لم يكن مجرد رحلة بحث عن الرزق، بل كان تأسيساً لما يمكن أن نسميه “مجتمعات ظل” كاملة خارج الحدود. آباء سافروا بحقائب خفيفة لتحسين أوضاعهم، فأنجبوا جيلاً كاملاً -وأنا أحدهم- وُلد وفتح عينيه على أرض غريبة، ليجد نفسه فجأة مجرد جزء من إحصائية، وعالقاً بين حنينٍ لوطن أصلي لا يعرفه، وواقع لوطن بديل لا يملكه.
لذا، كانت حياتنا انعكاساً حرفياً لهذا القلق المكتوم؛ عبارة عن حقائب لا تُغلق تماماً، وكأنها تستعد لرحيل وشيك في أي لحظة. وهنا كانت رحلتي، فما إن أعتاد على ضباب أبها، حتى ننتقل فجأة إلى رطوبة جدة، ومنها إلى زحام الرياض. وحتى داخل الرياض نفسها، لم نعرف الثبات؛ تنقلنا بين الأحياء كغرباء دائمين، وتغيرت المدارس والوجوه حولي بسرعة لم تمهلني لتكوين صداقات طفولة حقيقية. كنت دائماً الطالب الجديد، العابر الذي سيختفي قريباً، أحمل في عيني نظرة ترقب دائمة، وقلباً يتساءل بصمت: متى سأجد مكاناً أنتمي إليه حقاً؟ الاستثناء الوحيد في هذا التيه كان مدرسة “ذات الصواري” الابتدائية؛ أربع سنوات كاملة كانت هي أطول هدنة عقدتها مع الاستقرار -المدرسي- في حياتي. وسط هذا التنقل، كبرت وأنا أعيش بشخصيتين متناقضتين. في البيت، أنا المصري ابن بيئته؛ أتحدث بلكنتي الصريحة دون تكلف، آكل طعامي الشعبي، أتابع مسلسلات بلدي، وأعلم أن لي نشيدًا وطنيًا “بلادي بلادي”. لكن ما إن أغلق باب الشقة خلفي، حتى يبدأ التحول التلقائي، وكأنني أرتدي قناعاً جديداً. في المدرسة والشارع، كان يجب أن تتغير اللهجة تماماً، ليس تنكراً للأصل، بل درءاً للنبذ، وخوفاً من كثرة الألقاب -طعمية إحداها- التي إن ناداك أحدهم مرة بتلك الألقاب، ستظل تلاحقك للأبد كوصمة عار -أعتقد الآن أن تنقلي المستمر كان نعمة فلم تلتصق بي أي ألقاب-.
كان عليّ أن أتقن ارتداء الثوب؛ وليس ارتداءه فحسب، بل ضبط تفاصيله بدقة متناهية فهو مهم أيضًا لتصبح من أولاد البلد. تشربت ثقافتهم بالكامل؛ من تشجيع الفرق المحلية بحماس، وتحضير الإجابة هل أنت مع النصر أم الهلال حتى لو لم أكن أشاهد كرة القدم أصلاً، مرورًا ببرنامج المنطقة الأشهر وقتها “عيش سفاري” -لن أخبركم عدد المرات التي حاولت فيها الالتحاق وخابت آمالي-، ومتابعة برامج اليوتيوب الشهيرة مثل “إيش اللي” و”التمساح” وأحدث العروض التي تقدمها “تلفاز 11”، وكل ما كان يشكل وعي هذا الجيل. وصلت درجة التماهي إلى حد السخرية، فكنت أقف في الطابور المدرسي أحيي العلم وأردد “سارعي للمجد والعلياء”، وأعرف أسماء وتاريخ ملوك السعودية وحتى الملك عبد الله -وقتها- رحمه الله، بينما لم أكن أعرف اسم رئيس مصر إلا حين قامت الثورة .
كان ارتداء هذا القناع اليومي مرهقاً للنفس، يستنزف طاقتي في كل كلمة وحركة لضمان البقاء داخل الدائرة. وتحت وطأة هذا الإرهاق النفسي المستمر، كان الوطن الأصلي يطل علينا مرة كل عام في إجازة من شهرين، كطوق نجاة. كنا نشتري الملابس الجديدة والهدايا، ونستعد للعودة إلى تلك الأرض التي تحمل في طياتها وعوداً بالانتماء. كانت الإجازة بمثابة عملية إنعاش لأرواحنا وهويتنا المنهكة. لأول مرة في العام، لا أحتاج لتغيير لهجتي، ولا أحتاج لإثبات أنني “مثلهم”. أنا هناك وسط أهلي، آكل طعامهم وأتحدث لسانهم دون تكلف أو حذر.لكن، بعد انقضاء حرارة الاستقبال الأولى، كانت الغربة تظهر من جديد، وهذه المرة في قلب الوطن. تكتشف أنك مجرد سائح في بلدك، غريب عن تفاصيله اليومية. هناك مئات الحكايات التي حدثت ولم تكن طرفاً فيها، ومناسبات عائلية لم تحضرها، وكأنك تشاهد فيلماً بدأ عرضه قبيل وصولك بكثير.
حتى الصداقة، ذلك الملاذ الأخير، تغدو مستحيلة؛ كأنها نقوش على رمال الشاطئ، جميلة ومفصلة لكنها تُمحى مع أول موجة. الأيام أقصر من أن تبني فيها جذوراً حقيقية، والأصدقاء هنا هم أصدقاء موسميون، علاقات هشة تذبل بمجرد إقلاع الطائرة. وفي نهاية الستين يوماً، وأنت تحزم حقائبك عائداً إلى منفاك المريح، ويعود السؤال نفسه ليجلد ظهرك من جديد، مرسخاً حقائق مؤلمة: روحك ستظل مطاردة بلا مأوى، وأنك تائه بين عالمين، لا تنتمي لأي منهما بشكل كامل، تحمل في داخلك غربتين؛ غربة عن الأرض وغربة عن الذات، وبينهما تبحث عن هوية لم تجدها بعد.



مقال ممتاز غير انه لدي قناعة انه طالما تعيش ببلد تسمع فيها الآذان فلست بغربة . هذه واحدة.
هناك من يعيش غريبا داخل وطنه وبشكل مستمر .
ابرز هؤلاء الفقير . فالفقر بالوطن غربة . وعلي العكس المال بالغربة وطن . وهذه الثانية . الأهم هو قرب السعودية واهلها الطيبين من قلوبنا . لطفاء جدا اذا قال لك طعمية هو ينتظر ردك . كبسة . عشت هناك ١٣ عاما اغلب اولادي وُلدوا هناك . لم نحس بالغربة قط وعندما كنا نقود سيارتنا عائدين من الوطن الام . لم تكن لدينا تلك الغصة بالصدر . الذي تحس به حال عودتك لغربة حقيقة .