سيدتي الجميلة،
إهداء،
• إلى كل فلسطيني مقاوم فقد تحقق فيهم قول تميم البرغوثي " نحن نرد القبح بالجمال، وكل جمال مقاومة".
• إلى أ/ عمر النعماني وجولاته في القاهرة، تلك التي وسعت في عيني ما كان ضيقاً من معاني الجمال.
---
*كان يا مكان*
*في سالف العصر والأوان*
*إنسانٌ لم تُصبه عدوى هوس الجمال!*
---
الزمان: الرابع والعشرون من أبريل عام 2025
المكان: لندن، معرض هوب 93
والبطل؛ لوحات زيتية بليغة في صمتها، تحتج بغير صخب كعادة الفن، قدمتها لنا الفنانة الأمريكية جريتشن أندرو، تحت عنوان [ بورتريهات " فيستون" : الجمال الموّحد][1].
دمجت فيها بين الموهبة والخوارزميات و البرمجة، لتشكل لوحات ذات طابع نقدي عميق، اختارت فيها رسم مئة امرأة من مئة دولة، معظمهن شاركن في مسابقات جمال عالمية.
بدايةً رُسمن كما هن بملامحهن الفريدة، وتنوعهن المميَز و المميِز. ثم تدخلت الخوارزمية بفرشاة آلية عبر ذراع روبوت بُرمج ليرسم مبيّناً حدود معايير الجمال الموحدة عالمياً في الآونة الأخيرة، و التي تُستخدم كفلتر تجميل رقمي لتعديل أو كما يُقال تحسين صورنا بشكل شبه يومي في العديد من التطبيقات.
صورة1: الخوارزمية تعيد رسم الملامح
فاكتمل المشهد في كل لوحة، بخط أبيض معترض في صمت على نصف، جنباً إلى جنب مع النصف الآخر المتروك بأصالته.
و كانت النتيجة أن كل الوجوه المحسَّنة متشابهة، اختفى الاختلاف، و ذابت الهوية، و بقى فقط نموذج واحد يتكرر.
فملكة جمال البرازيل تشبه ملكة جمال الصين، التي بدورها تشبه ملكة جمال نيجيريا التي تشبه ملكة جمال النرويج.
صورة2: ذوبان الفوارق
التعايش البصري بين الوجهين على نفس اللوحة يخلق توتراً يُثير في النفس التساؤل؛
أيهما مرغوب؟ الحقيقي أم المُعَدَّل؟
و كيف؟ و لماذا ارتضينا بالجمال ذي الوجه الواحد؟
و الحقيقة ستجدون معي أن الإجابة واضحة كضوء النهار، و لكن دوما إيضاح الواضحات من أصعب المهمات.
---
# لنرجع بالزمن ستة أو سبعة قرون
لنرجع بالزمن مسافة ستة أو سبعة قرون، ونخلع عدسة الحداثة "الأُحادية" — أُحادية الوجه واللون — ونرى بعدسة "الشمولية" في الحضارة الإسلامية.
وقبل أن تتّهموني بحنين الماضي والبكاء على الأطلال، دعوني أدعوكم للنظر في الآثار.
آثار قومٍ وصلوا إلى ذروة الجمال المعقّد: تتناغم فيه الوحدات، وتتكامل الآحاد في المجموع، فيخرج بصورة تُذهل القلوب قبل الأبصار.
نوع من الجمال تصحبه وتأنس به، وأظنه — والله أعلم — يأنس بك أيضًا. ولا عزاء للماديين الذين يرون في هذا فلسفة فارغة!
ارجعوا ببصركم كرّتين، فترَوْا تداخل الألوان، وتناسق الأشكال، وبهاء الخطوط، وسعة البنيان.
---
# عمران يا كرام
"عمرانٌ" نظر الإنسان فيه إلى نفسه لا كسيد على أرض الأنام، يصول ويجول ويقول: "أنا السلطان!"
بل كخليفة الرحمن: يأخذ ويُعطي بقدر، يعلم أنه ولا بدّ مسؤول.
يرى الطبيعة ويُحاكيها كصاحبَين يشدّ كلٌّ منهما أزر الآخر، فيعلو البنيان في تناغم مع الأرض حتى تكاد تجزم أن هذه القطعة من التراب إنما خُلقت لأجله.
فورث من الطبيعة السعة الزاهية، والجسارة الشامخة، والرقّة، ثم أورثها ما صنع. فكل مصنوع مصبوغ بصبغة صانعه ولا بدّ.
وصدق فيهم قول شوقي:
**إنّ الشمائلَ إنْ رقّتْ يكادُ بها**
**يُغري الجمادَ ويُغري كلَّ ذي نَسَمِ**
انظروا معي إلى هذا العمران
صورة3: فلسفة التنوع في العمارة الإسلامية
كلها شاهدة على أن الجمال — حين يكون حقيقيًا — متعدّد في وحدته، موحّد في تعدّده.
فهذه ليست محاولة لاستبدال قالب الحداثة بقالبٍ آخر، ولكن هي دعوة للتأمل فيما كنا وأين أصبحنا؟ كنا حيث لا نموذج محدد للجمال، بل كان تتابع فن كل عصر تمريناً مستمراً على احتمال بل الاحتفاء بالاختلاف.
كان المعمار يضع قانوناً عاماً، ثم يترك لكل يد حرية التأويل، فتخلق انسجاماً حتى بين المتباين كالهندسي مع النباتي.
وإن تشابهت الأيدي في التأويل ترى التشابه الثري لا التكرار الممل، فيكون نتاج كل يد كبصمة الإصبع متقاربة نعم! ولكن لا تتطابق أبداً.
---
# التناغم لم يُلوّن الحجر دون البشر
وقبل أن يعترض معترض ويقول: "هذا في البناء والجماد، والحديث عن الإنسان"،
أقول: لا انفكاك! التناغم لم يُلوّن الحجر دون البشر.
في هذا الزمن، كانت تتكامل العلوم في العالِم الفرد: فترى الفيلسوف الطبيب يسأل عن معنى الشفاء قبل أن يصف الدواء، و الفقيه الشاعر يرى في الحكم جمالًا قبل أن يكون إلزامًا،
لم يكن التخصّص سجنًا، بل اختيارًا داخل رؤية كليّة كان مبدؤها: "لا إله إلا الله".
ففي هذا العالم المتناغم، كان "الجمال" كذلك: متعدّدًا، حرًّا، إنسانيًا.
لم يكن هناك وجه واحد للجمال، بل وجوه... تختلف لتكتمل.
---
# ثم... دار الزمان
ثم... دار الزمان وتبدّلت الأحوال. من عالم يحتفي بالاختلاف، إلى عالم يرتاب منه.
و وُلدت "الحداثة" التي أعلنت أن القديم خطأ بالضرورة، وأن الجديد صواب بالضرورة.
وأعادت الحداثة تعريف "الجمال الإنساني" ذا الوجه الواحد، ووضعت له كراسة شروط: أُدرجت بداخلها أسماء شركات للمأكل والملبس والمشرب وتصميم المسكن، حتى تطاولت إلى "الأحلام" ذاتها.
وحدّدت لكل شخص "سكور" — درجة — لكي ينال شرف القبول .
---
# حتى لم يبقَ ما يُوحَّد
حتى لم يبقَ ما يُوحَّد، التفتت الحداثة الأُحادية إلى آخر ما تبقّى مختلفًا: "الوجه" وبالأخصّ... وجه المرأة
سيداتي، قيل لكنّ أن هناك "شكل واحد" للجمال:
- أنف بزاوية محسوبة ،
- شفاه بحجم متّفق عليه،
- وجنتان بارزتان بالقدر "الصحيح"،
- وجه أملس بلا خطوط... كأنّك لم تعيشي...
امتدّت يد الحداثة الأُحادية وأخذت من الوجه "مشروعًا " قابلًا للتطوير، والملامح قابلة للتعديل.
بل جعلت من عقيدتها أن "الاختلاف" خطأ يحتاج إلى تصحيح.
وصار المقياس واحدًا، درجة جمالك تُحسب بمدى قُربك من "النموذج".
ذلك الوجه الذي تراه في كل إعلان، ملامح متشابهة، حتى تظنّ أن الروح واحدة..."روح المصنع"، لا روح الإنسان.
بل لأكاد أجزم أنّهم سيضعون "باركودًا" لكل وجه، مع تاريخ التعديل ومدّة صلاحيته فيما بعد!
---
# والطريق إلى هذا "الجمال"؟
والطريق إلى هذا "الجمال" — ولنقل جمالًا تجاوزًا —
"إبرة".
إبرة هنا، وأخرى هناك، حتى تصلي أخيرًا إلى النسخة "الصحيحة" منك، تلك النسخة التي "لا تُشبهك"، لكنّها تُشبه الجميع.
وهنا يتردّد السؤال — سؤال الطبيب قبل الفيلسوف:
هل نعرف حقًا ما نفعل؟
هل هذه الممارسة الشائعة ناجعة حقًا فيما تدّعي أنّها تؤخّر أو تمنع علامات الزمن على المدى الطويل ؟
والإجابة — بكل وضوح:
"لا نعرف".
حقًا، لا نعرف صدق هذا الادعاء من كذبه. لا لقصور في أدوات البحث، ولا لصعوبة السؤال العلمي، بل لأن السؤال "لم يُطرح أصلًا" للبحث والتجربة طويلة الأمد.
و اكتُفي بظنّ "الخبراء"، فـ "ربّما" هنا كانت كافية للنشر والتسويق.
غريب!. نعم غريب ممارسة شائعة منذ أكثر من عقد، يُنفق عليها مليارات الدولارات، وتُجرى لـملايين النساء ولم تُبنَ على "بحث علمي واحد" طويل المدى يُثبت فاعليتها الوقائية!
فبمراجعة دراسة نشرت حديثاً في أغسطس 2025 من النوع الدراسات المنهجية التي فحصت الأبحاث المنشورة حول هذا السؤال، تبين أنه لا توجد دراسة سريرية واحدة منضبطة طويلة الأمد تثبت صدق الادعاء حول حقن البوتكس الوقائي بشكل دوري فضلا عن حقن الفيلر بشكل دوري.
إذ تقول الدراسة نصاً " ..و مع ذلك، تظل الأدلة محدودة بسبب التباين في تصميم الدراسات،... إن الدراسات الطويلة الأمد ذات المنهجية الموحدة لا تزال ضرورية لتحديد التأثيرات طويلة المدى بشكل أفضل."[2].
و تقول أيضاً" بينما يبدو التجميل الوقائي واعد إلا أن ملف سلامته على المدى الطويل لا يزال غير مستكشف بما فيه الكفاية."[2].
بل وضحت أن معظم تلك الدراسات لم تتجاوز مدة مراقبتها اثني عشر أسبوعاً فقط! فكيف نستدل بثلاث أشهر على مصير عشرين عاماً ؟ كيف و الاحتمالان المتناقضان مازالا قائمين و بذلك يسقط الاستدلال.
لكن... لا غرابة في الحقيقة، فالمال لا يهتم بالحقيقة عندما يكون الوهم مُربحًا.
فلماذا تُنفق الشركات الملايين على دراسة علمية ربّما تُظهر أن منتجها ليس بتلك الفاعلية السحرية التي تدّعيها، بينما "التسويق" وحده يُدرّ المليارات؟
لماذا تُخاطر بإجابة بينما السؤال نفسه غائب عن ذهن النساء؟
فقد اكتفت الشركات والعيادات بإظهار بطاقة "ربّما" الواعدة بالجمال، وأخفت بطاقة "ربّما" الأخرى... تلك المتوعّدة بنقيضه.
---
# وقبل أن يعلو النداء: "أنا حرّة"
وقبل أن يعلو النداء المشروع: "أنا حرّة!"
دعوني أقول: أنتِ حرّة. بالطبع أنتِ حرّة، ولا خطأ في امرئٍ اختار لنفسه.
لكن الحرية الحقيقية تبدأ حين ترى وجهي الاحتمال، حينها — وحينها فقط — تبدأ حرية الاختيار الحقيقية.
---
# أنا لست ضدّ الجمال
دعوني أكون واضحًا؛ أنا لست ضدّ الجمال. بل أنا أبحث عنه مثلك في كل شيء: في كلمة مكتوبة بعناية، في لحن موسيقي عابر، في وجه يحمل قصّته دون اعتذار.
لكنني ضدّ "هوس الجمال".!
ضدّ أن تتحوّل مساحة الحرية إلى سجن أنيق زُخرفت أبوابه فقط.
ضدّ أن يُصبح الزمن عدوًّا!
ضدّ أن يُصبح الاختلاف عيبًا!
الجمال — الجمال الحقيقي— كان دائمًا متعدّدًا.
- - -
# سيدتي الجميلة
سيدتي الجميلة،
أنتِ جميلة لأنك أنتِ.
أنتِ جميلة لأنّكِ لا تُشبهين الصورة.
فلا تسمحي للسوق أن يُحوّل وجهك إلى "منتج "قابل للتحديث.
التقدّم في العمر "رحلة"، والجمال — حين يكون حقيقيًا — لا يخاف من الزمن، بل يتحالف معه، يتعمّق به، يكتسب معناه منه.
وحين تطوف حولك إعلاناتهم ب :
"ألا تريدين أن تكوني جميلة؟"
قولي لهم:
هل تريدونني أن أكون نسخة؟!
--------------------------------------------------------------------------------
المصادر:
1. Gretchen Andrew, “Facetune Portraits: Universal Beauty”. Hope 93 Gallery, London (April – May 2025).
2. Marinelli G, Inchingolo AD, Trilli I, Pezzolla C, Sardano R, Inchingolo F, Palermo A, Maspero CMN, Dipalma G, Inchingolo AM. Proactive Aesthetic Strategies: Evaluating the Preventive Role of Botulinum Toxin in Facial Aging. Muscles. 2025 Aug 13;4(3):31.
Doi: 10.3390/muscles4030031. PMID: 40843918; PMCID: PMC12372128.




