ما الذي يمكن أن يجمع فارس من فيلم الحريف مع لوك من فيلم the place beyond the pines. ما الأرضية التي يقف عليها كلا من الرجلين؟ وما الذي دار في ذهني عندما ربطت بين الشخصتين. هناك نقطة ما يبدأ وينتهي عندها فارس و لوك..معًا
الفخر/ العار
فارس أب منفصل عن زوجته يعيش وحيدا في احدي أسطح بنايات القاهرة القديمة، يجري مع الكرة ليلا و يجاهد للاستيقاظ نهاراً حتى يلحق بوظيفة على كف عفريت في مصنع الأحذية.
كل ذلك بالتحديد لا يعنيني في موضوعنا اليوم، فارس أب ومن هنا ننطلق نحو الهدف.
الجري .. صوت الأنفاس المتلاحقة في بداية الفيلم .. التيه و التجوال ليلا .. ومواصلة اللعب والمقامرة بكل ما يملك “ موهبته” حتى يسترد ابنه و زوجته من جديد.
نري فارس يتحاشي النظر إلى عين ابنه الصغير المأخوذ بوالده الحريف. يتعامل معه بجفاء أحيانا ويأكد عليه “ اسمع كلام أمك ياض بلاش غلبة”.
و يحاول شتي الطرق أن يصبح بطله الحقيقي وليس بطلا مزيفا من كرة شراب. فارس لن يكون حريفا في نظر إبنه و في نظر مجتعمه إلا بالفلوس و الفهلوة.
لوك شاب يملك موهبة فريدة، يرقص بالموتسكيل في حلبة مغلقة. في كل عام يقدم عروضا مميزة في سيرك المدن الصغري. يعيش لنفسه فقط و فلوسه تكفي يومه.
كل شيء يتبدل حين يعرف لوك بأن له ابنا من أحدي الفتيات الذين قابلهم على الطريق. يشعر بأبوته المفاجئة .. يسعي لكي يحتضن عائلته الصغيرة إليه ليفأجأ بعائلة بديلة تماماً للصبي، تقدم له الرعاية حسب المقدرة وبيتا وطعاما دائمًا.
نري لوك في المطعم الذي تعمل به حبيبته وأم إبنه، يتحدث معها عن مستقبل يكونون فيه جميعاً. لكن لا تصدقه؛ فالعاطفة الأبوية وحدها لا تكفي لرعاية طفل رضيع.
يعرف لوك بأن الطريق الوحيد للحصول على احترام عائلته و تبني إبنه من جديد هو أن يتجه للسرقة.. مالًا يكفي كليهما في وقت قصير
الذكورة كمنتج إقتصادي
في كتابه الشهير يطرح اريش فروم نمطين أساسيين للوجود الإنساني To have or to be. نمط الامتلاك و نمط الوجود. وأي نمط ستجبرك الحياة على اعتناقه: الامتلاك للمادة والسلطة و العائلة الممتدة و الحماية المتكاملة، لتصبح قيمة الأب في “ أنا عندي إيه”، أو نمط الوجود المتمثل في تقديم الحب والوقت و العاطفة، ونمو العلاقات مع الآخرين؛ لتصبح قيمة الأب في ذلك النمط “أنا هقدم لك إيه “.
فارس يملك كرة شراب، ولوك يملك موتسيكلا محطمًا. وهنا يتجلي الفرق واضحًا، نمط الامتلاك يشعرك بالاغتراب والاضطراب النفسي. يسعي فارس لامتلاك أي مقوم من مقومات الحياة الأساسية ليقدمها لأبنه، مع ذلك لا نراه يتواجد بالشكل الكافي مع إبنه. ربما هو شعور داخلي بالعار أو عدم التحقق من الوالدية. يعرف في قرارة نفسه بأن فشله في تحقيق حياة أسرية سعيدة لعائلته تعني فشله كرجل بشكل مباشر ـبالنسبة له.
أما لوك ف يغطي على غيابه الوالدي بمفهومه المادي بالدخول في عالم السرقة والجريمة لتحقيقه ذاته الأبوية، ومع ذلك يسرق لحظة هي الأجمل والأنقي والمعبرة عن الآباء المتعثرين ماديا في عالم رأسمالي.
لحظات من الأبوة المسروقة
يسرق لوك لحظة أبوية خالصة مع ابنه و حبيبته، يعلمه أكل الآيس كريم لأول مرة، يضحك من قلبه لكل حركة يقوم بها الرضيع، و يطلب من أحد المارة التقاط صورة عائلية لهم، لتكون الصورة الوحيدة لهم معا لأول وآخر مرة.
نري الأم تقاوم دموعها متأثرة، ولوك يخبي عينيها حتي يحتفظ بتلك اللحظة الحالمة للأبد.
الكثير ممن شاهد الحريف يعرف تماماً لماذا خاض مباراته الأخيرة، ولكن رأيي بأن تلك اللحظة أهداها للأبد لابنه، في محاولة أخيرة لحفظ صورة له صورة حقيقية ك بطل حقيقي يكسب في ماتش.
و يقول جملته الأثيرة.. أنا هلعب مع الخسران. وكأنما يواسي نفسه الخاسرة و يلعب لأجلها ولو لمرة بدلا من اللعب من أجل الفلوس ولقمة العيش. نفسه التي يراها إبنه و يجري محتضنا إياه وهم مبتمسين لأول مرة معا.
لحظة يسرقها أب آخر من زمن قاسٍ ..
أبوك فين؟!
أول سؤال يتبادر إلي ذهنك عندما تري طفلاً وحيداً لأب غائب، ولكن يبدو أننا لا نسأل الأسئلة الصحيحة.
ما الذي جعل سؤال الغياب حاضراً إلي هذا الحد ولم يفكر في سبب الغياب أو القصة والمأساة أمام الآباء المطحونون. من يفكر بهم و من يتكلم عنهم؟ آباء حرموا أبوتهم وابناءهم فقط في محاولة لتوفير لقمة عيش تكفيهم.
وهنا ليس بالضرورة حديثنا عن الآباء المغتربين حيث أن لوك و فارس كانوا بنفس المدن التي يسكنها أبناءهم و في نفس المناطق.
ولكن المادة .. المال .. الدائرة المفرغة التي يجري بها الرجال يومياً و المحصلة النهائية فقط الغياب و الإقصاء من حياة الطفل.
وبالطبع نتحدث عن الآباء المرغمين على ذلك وليس الآباء الذين اختاروا البعد عن حياة أبناءهم بحريتهم التامة.
الأسئلة كلها مطروحة للنقاش والمحاولات الجادة في الفهم والتقارب بين وجهات النظر
أبوك فين
ولا إيه اللي باعد بينك وبين أبوك؟!






