مثل استشهاد آية الله علي خامنئي في 28 فبراير 2026 وتأكيده اللاحق بعد 15 ساعة من إيران في مطلع مارس، أعمق اضطرابات الجيوسياسة الفارسية منذ ثورة 1979. ومع ذلك، فإن السرد الغربي المنحط الذي تقوده واشنطون وحلفائها من سفهاء العرب احتفالًا، ومتعقلنة الاعتدال من اليسار المتخلجن من باب الأسطرة المبالغة- أقول إن كلاهما يعاني من سوء فهم جوهري لتطور الجمهورية الإسلامية الهيكلي خلال العقود الثلاثة الماضية. نتجاوز هنا التقارير السطحية النموذجية في وسائل الإعلام الغربية الناطقة بالانجليزية من واشنطون والناطقة بالعربية من الدوحة لنقدم تفكيكًا للفراغ الحالي، واحتمالات الصمود المؤسسي للحرس الثوري الإيراني، وإعادة التنظيم الاستراتيجي الجارية حاليًا في طهران.
وفرت الفجوة الزمنية بين الضربات في 28 فبراير وتأكيدها الرسمي في أول مارس أدلة أساسية حول الحالة الداخلية للنظام. بدأت عملية الغضب الملحمي Epic Fury في حوالي الساعة 1 بتوقيت شرق الولايات المتحدة بوابل ضخم من صواريخ كروز توماهوك. بينما أصدر ترامب رسالة فيديو يعلن فيها عن “عمليات قتالية كبرى” ومقتل خامنئي خلال ساعات، حافظت وكالة أنباء فارس التابعة للحرس الثوري الغيراني ووكالة الانباء الرسمية الإيرانية على تلميحات “قيادة ثابتة” مع ادعاء أن القائد في موقع أمين.
هذه الساعات الـ15 ليست من أعراض الفوضى المتصورة، بل على العكس تشير إلى تحقق من صحة الخبر مع تفعيل مؤسسي، من المرجح أن المجلس الأعلى للأمن القومي، بقيادة علي لاريجاني، قد شارك في تقييم سريع “للطبقات الأربعة للخلافة” التي وضعها خامنئي بنفسه في أواخر 2025، كما سمح التأخير للجهاز الأمني أن يتحقق من هوية القادة الكبار الذين نجوا من ضربات قطع الرأس، والتي أسفرت عن مقتر أكثر من 40 مسئول رفيع المستوى، من بينهم قائد قوات الحرس الثوري البرية محمد باكبور ووزير الدفاع عزيز نصيرزاده.
وبالنهاية جاء الإعلان النهائي في تمام الخامسة صباحًا بالتوقيت المحلي في يوم 1 مارس من قبل هيئة الإذاعة الإسلامية الإيرانية بأن مجلس القيادة المؤقت المفوض بموجب المادة 111 من الدستور قد تم تشكيله بنجاح. يتكون هذا المجلس من الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجيعي، وعلي رضا عرفي عن مجلس صيانة الدستور، ويشكل الوجه الدستورية لانتقال يدار فعليًا من قبل جهاز استخبارات الحرس الثوري.
خرافات القطبية الناصرية
تقدم التحليلات الساذجة خامنئي بوصفه خليفة أسطوري رعى بامتياز صورته بصفته مثقفًا ثوريًا وريثًا لأفكار سيد قطب وجمال عبد الناصر وربما محمد أبو تريكة بالمرة لتأطير أسطورية الرجل الفقيد لصالح افتراضات انهيارية ستتلو استشهاده.
بالتأكيد ترجم خامنئي أعمل الأول شابًا، وتأثر بالثاني طفلًا ربما. وبالتأكيد هو سعى بدأب لتأكيد صورته الذهنية بصفته إسلاميًا ثوريًا عالميًا يرى العالم بعيون التجديد والزعامة الكاريزمية. لك هذه الصورة -غير البريئة وغير الدقيقة في رأيي- تظهر على حساب رجل الدولة الصارم والصلب والمركز بشكل لم يكنه يومًا الرجلان المصريان.
استمر خامنئي في سدة الحكم لمدة 36 عام، أنضج أثناء حكمه نموذجًا لمناهضة الكولونيالية الأمريكية من خلال بناء دولة قومية واضحة المعالم، كان هذا البناء ذاته هو الانحراف الأبرز عن أفكار قطب الفوضوية حول الطليعة الإيمانية “الجيل القرآني الفريد” الذي ينابذ أنظمة العالم القومية جميعًا العداء. كان خامنئي -على عكس قطب- يتعبد إلى الله بأن يجعل الدولة كيانًا منظمًا مقدسًا.
لو كان خامنئي قطبيًا بحتًا، فإن موته سيؤدي إلى انقسام فوري إلى خلايا ثورية متنافسة، كأي أفكار ثورية أناركية. لكن خامنئي كان رجل “فقه الحكومة”، يرى جهاز الدولة نفسه تجسيدًا للإرادة الإلهية، وعلى عكس الزعيم العروبي الكاريزمي المريض بنفسه وكاريزمته -بالعجز الجنسي، بنى خامنئي امبراطوريته بدأب يستطيع أن يظل عاملًا بكفاءة حتى بعد إزالة الرأس. في ظل حكم خامنئي، طور الحرس الثوري نفسه ليكون حارسًا مسلحًا لهذا النظام، مما يجعل الانتقال في حقبة ما بعد خامنئي إلى حكم أكثر عسكرة هو التطور الطبيعي للأيديولوجيا الخامنئية بدلًا من انهيار الدولة.
سراب الخليفة
تعكس التكهنات المستمرة حول مجتبى خامنئي كخليفة للعرش فشلًا وتكاسلًا عميقًا في فهم القيود القانونية واللاهوتية لتعديلات دستور إيران عام 1989 أو للثورة الإسلامية نفسها. طوال عقود نظرت الحوزات الشيعية في إيران إلى الحكم الوراثي -الذي تشكل المذهب الشيعي أصلًا من رفضه- بأنه انتحار منهجي، خصوصًا بعد ثورة 1979 التي تأسست على رفض ملكية آل بهلوي. في حال تعيين مجتبى في مجلس الخبراء، فسيعني هذا الاعتراف بأن “الجمهورية” الإسلامية عادت إلى الهيكل “الطاغوتي” الذي سعت إلى تدميره.
أما الحواجز اللاهوتية فلا تقل أهمية. بموجب المادتين 107 و109 من الدستور الإيراني، يجب أن يمتلك المرشد الأعلى القدرة على الاجتهاد والفطنة السياسية لإدارة الأمة. نعم، خفضت تعديلات 1989 شرط “المرجع” لتسمح لعلي خامنئي -الذي لم يكن يومها مرجعًا- بتولي السلطة. لكنها -أيها الكسالى- لم تلغ شرط وجود قاعدة دعم المرشح داخل معاهد قم. ومجتبى، الذي يُنظَر له في داخل إيران على أنه شخصية الظل الأمنية، يفتقر إلى الوضع الديني العام لتحقيق الأغلبية اللازمة بثلثي أصوات مجلس الخبراء.
بدلًا من ذلك، تشير الأدلة إلى أن علي لاريجاني -الضابط السابق في الحرس الثوري، ورئيس البرلمان، وأمين المجلس الوطني للقوات الأمنية- تم وضعه كخليفة الأزمة. يمتلك لاريجاني مزيجًا فريدًا من سجل الحرس الثوري والخبرة الدبلوماسية رفيعة المستوى اللازمة لمواجهة الصراع مع الولايات المتحدة. تعيينه كزعيم فعلي من قبل خامنئي شخصيًا قبل أيام فقط من الضربات تشير إلى أن النظام قد اتجه بالفعل نحو نموذج القيادة الأمنية-التكنوقراطية، متجاوزة بالفعل للمتطلبات الكارزمية للزي الديني.
من منظور الدولة العميقة، فإن وفاة خامنئي ليست كارثة على الإطلاق؛ بل هو على العكس فرصة للتحسين النظامي. كان إصرار خامنئي على الحفاظ على مظاهر الجمهورية التي أسسها مع سلفه -بوجود رؤساء مثل بزشكيان وانتخابات عامة- عبئًا استراتيجيًا سمح باختراقات حرب القوة الناعمة مع الغرب. ضربات 28 فبراير قد أزاحت القيادة بالكامل. ومع رحيل رأس النظام، يمكن للحرس الثوري الآن إعلان حالة الطوارئ الوجودية وتعليق الدستور إلى أجل غير مسمى وتقنين الهجنة بين العسكرية والدينية.
بشكل عكسي تمامًا، فإن استشهاد 40 نافذ وقيادي إيراني سيساهم في توحيد السلطة في مجلس الحرب الأصغر حجمًا والأنقى أيديولوجيا بشكل سيؤدي لنقيض الانهيار؛ ظهور دولة صلبة أقل عرضة بكثير للاضطرابات الداخلية.
بدلًا من الخلافة التقليدية لقائد أعلى واحد قوي، تشير التوقعات إلى صعود رجل دين ضعيف سياسيًا مثل (علي رضا عرفي) كقائد أعلى لتلبية المتطلبات اللاهوتية للدستور، في حين يتولى المجلس الأعلى للأمن القومي بقيادة علي لاريجاني مهام ولاية الأمر المطلقة ويدير جميع السياسات الدفاعية والاستخباراتية والخارجية. وسيصبح الحرس الثوري، بقيادة أحمد وحيدي، الدولة داخل الدولة بشكل أكثر فجاجة بحيث يسيطر على غالبية الاقتصاد الوطني والأمن الداخلي لمنع انتفاضات داخلية أخرى.
هل سينهار المحور؟
الافتراضات الساذجة كذلك تفترض أن محور المقاومة سينهار بدون خامنئي مما يتجاهل لا مركزية الفعالية الكبيرة التي لحقت بالمحور بين عامي 2024 و2025. بعد الضربات الإسرائيلية على حزب الله في أواخر 2024 وحرب الـ12 يوم في يونيو 2025، انتقلت طهران بالفعل إلى نموذج “القيادة بالنية” Command-by-Intent الذي يصف الحالة النهائية المرغوبة والهدف الاستراتتيجي البعيد بصورة موجزة وواضحة دون أي شكل من المركزية يتحكم في ممارسات أذرع هذه القيادة المركزية. ومنح هذا التغيير وكلاء المحور استقلالية تكتبكية ومالية أكبر بكثير.
أبرز الأمثلة على هذه الحالة هي ما يقدمه الحوثيون في اليمن. في حين كان فيلق القدس مثلًا تحت الضغط في أواخر 2025، حافظ الحوثيون على قدرة توجيه الضربات المستقلة في البحر الأحمر، وغالبًا ما تصرفوا ضد نصائح الدبلوماسيين الإيرانيين أنفسهم لفرض شرعيتهم الداخلي. وبالمثل، اندمجت قوات الحشد الشعبي العراقي في هيكل الدولة العراقية بعمق لدرجة أنها لم تعد بحاجة إلى ضابط اتصال طهراني ليشكل سياساتها.
تؤكد الخبرة التاريخية عمومًا في ضربات قطع الرأس الموجهة ضد الشبكات الأيديولوجية اللامركزية إلى مزيد من التطرف والأدلجة بدلًا من الاعتدال البراغماتي. وبفقدان مثبت بحجم خامنئي -الذي غالبًا ما كان يكبح وكلائه لتجنب حرب شاملة مع الولايات المتحدة- أصبحت المجموعات الفردية الآن حرة في الانخراط في أقصى حدود الانتقام لضمان بقائها. من المرجح أن تكون العملية الهجومية الأكثر تدميرًا التي ذكرها بيان أول مارس إشارة لهؤلاء الوكلاء لتفعيل الخطة زد التي تتضمن بالتأكيد شل كل مراكز النفط الإقليمية.
ليس بأماني القوى الدولية
إن الأمل الغربي في ثورة إيرانية جديدة في 2026 يتجاهل بوضوح الإرهاق الذي مني به الجيل الإيراني المعارض. منذ بدء إخفاقات حركة الخضر المعارضة في 2009 واحتجاجات “امرأة، حياة، حرية” عام 2022 وتعلمت المعارضة أن النظام مستعد للذهاب لأبعد مدى لقمع الاحتجاجات من أجل البقاء. نجحت انقطاعات الانترنت وتكتيكات الضربات الخاطفة التي نفذها النظام ضد الاحتجاجات في يناير 2026 في تفكيك هيكل المعارضة بالكامل. نعم، رغم وجود احتفالات هنا أو هناك بوفاة القائد المستبد، إلا أن الصمت المخيم على طهران دليل على تراجع وخوف بادٍ في صفوف المعارضة. تمثل المعارضة الإيرانية بدون قيادة موحدة وموثوقة داخل البلاد، بالإضافة إلى موت القائد الأعلى نفسه، إلى صعود المجلس العسكري مباشرةً، وهو أمر أشق على المعارضة من رجل الدين المسن.
إن الصمود المؤسسي للحرس الثوري، إلى جانب سيطرته التامة على اقتصاد الظل والشبكات الكاسرة للعقوبات يجعل الاستيلاء العسكري على الحكم هو النتيجة الأكثر احتمالًا. يؤكد تفكك القوى المعارضة أن بنية الأمن الداخلي للنظام لا تزال أداته الأكثر فعالية. ومن المرجح أن يكون الانتقال إلى عصر ما بعد خامنئي عسكريًا تمامًا بدلًا من التحول الديموقراطي.
كان التأثير المباشر لقطع الرأس الإيرانية على الأسواق العالمية حادًا في مجال النفط. خلال 48 ساعة ارتفع نفط برنت الخام بأكثر من 20% أكثر من العام الماضي، مع ارتفاع فوري في سعر البرميل إلى 80 دولار. دفع الارتفاع بنكي باركليز وجي بي مورجان للتحذير من أن صراعًا طويلًا أو إغلاقًا تامًا لمضيق هرمز قد يدفع الأسعار نحو 100 دولار للبرميل، مما يساهم بحوالي 0.7 نقطة مئوية في التضخم العالمي.
بالنسبة للصين وروسيا، فإن فقدان طهران يمثل ضربة استراتيجية كبيرة. ترى بكين إيران كشريك استراتيجي دائم وعقدة حاسمة في مبادرة الحزام والطريق. ترى الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية بأن الضربات الأمريكية كانت نتيجة مخططة بعناية تهدف إلى تحقيق تغيير النظام وليس لاحتواء الخطر النووي. تعتمد بكين على الطاقة الإيرانية وترغب في تجنب ما تصفه بأنها كارثة إنسانية واقتصادية قد تزعزع استقرار الشرق الأوسط.
أما موسكو، فلا زالت عالقة في حرب أكورانيا. ترى موسكو أن توسع حرب الشرق الأوسط سيشتت الموارد الغربية عن كييف، لكن انهيار النظام الإيراني بالكامل سيزيل الشريك الصناعي العسكري الرئيس للروس. تنظر روسيا إلى القتل “الساخر” لخامنئي، كما وصفه بوتين، في موسكو باعتباره تهديدًا مباشرًا لمعايير القانون الدولي -ههه- التي تحمي السيادة الاستبدادية.
فمن المرجح أن تقدم كل من بكين وموسكو المساعدة الفنية والاستخباراتية للانتقال الذي سيقوده لاريجاني لضمان عدم ظهور حكومة موالية للغرب من الرماد.
الخاتمة
تأخر إعلان استشهاد القائد الأعلى لمدة 15 ساعة، كانت هي اللحظات الحاسمة لانتقال 2026 القادم في إيران. أمن تحالف لاريجاني-الحرس الثوري حكم الدولة برعاية سابقة من خامنئي بناها على مدار سنين.
قطع رأس علي خامنئي لم يقطع رأس الجمهورية الإسلامية؛ ربما قطع رأس الجمهورية الكهنوتية التي يحكمها الفقيه بشكل فعلي، لكنه في الغالب سينتج النظام الذي بناه خامنئي بدأب عبر سنوات عدة، استغل فيها كاريزمته الظاهرة وشخصيته العالمية لإنهاء حكم الكاريزما في إيران بعد وفاته. الهجين العسكري الكهنوتي القادم سيكون أكثر مرونة وأكثر راديكالية وأكثر استعدادًا لحرب طويلة من الاستنزاف.
لم يكن خامنئي مرشدًا بنى شخصيته على بيانات عبد الناصر وأدبيات سيد قطب. وإن صح كونه كذلك فإبراز هذا الجانب منه، يخفي -عن عمد في رأيي- الجانب الأكثر أهمية من شخصيته ومن منجزه السياسي والتاريخي هو ما بناه بدأب وبطء من مؤسسات عسكرية حازمة من حوله، ربطها بشخصه ولكنه أسس بيروقراطيتها لتستغني عنه في الوقت المناسب. هذه المؤسسات المحترفة المتحكمة في إيران بكفاءة وقوة، ستنتهز فرصة وفاة زعيمها الملحمية -التي ربما قصدها الرجل نفسه بعدم اختباءه بعيدًا عن مقر إقامته وسلوكه في أيامه الأخيرة- لتحكم قبضتها على إيران، وتخوض حربًا طويلة ضروسًا ستؤلم الأمريكان والصهاينة.
لا علم لنا بمآل هذه الحرب، أو بالشكل الذي سينكتب به نهاية هذا الفصل الذي بدأه الشهيد يحيى السنوار منذ أكثر من عامين. لكننا نؤكد في هذا التقرير، أن محاولات تيار التسييس ورمي السلاح في إظهار خامنئي استثنائيًا بشكل شخصي بحت، لنعي الانهيار الإيراني الوشيك، سيكون مآلها إلى مكان حيث لا تساوي الحبر الذي انكتبت به.


