لا أخفيك سرّا، إن سماع متحدثٍ لا يصبرُ على اللحن أشدُّ على النفس من سماع دوي السيارات اجتمع مع زحام ودرجة حرارة عالية، أو صراخ جماعي للأطفال بلا هدف؛ ويحتاج الإنسان ليتجاوز هذا الدَّوي المزعج إلى أذن خرسانية حتى تنتهي الخطبة أو يسكت المتكلم، فلا طاقة لأذنٍ أن تسمع متكلمًا ينصب المبتدأ، ويجر الخبر، ويلزم الفتح في كلامه حتى يفتح لك رأسك، وقد وصَفَ الأوائل مدى قبح اللحن، فقال مسلمة بن عبد الملك: «اللحن في الكلام أقبح من الجدري في الوجه»، وقال عبد الملك: «اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب النفيس».
إنَّ اللحن الفاحش في الكلام يقبح الكلام الجميل العالي ويخسف به، وليست فائدة تعلم العربية فقط تزيين الكلام، أو تزيينك بألا تقبح في عين من يسمعك، أو صون اللسان عن الخطأ، وإنَّما اللغة قد تنقذ رقبتك.
اللغة كأداة للنجاة من الخطر.
أتعرف من هو عتبان بن أصيلة؟! عتبان هذا أحد الخوارج الشُّراة، وأصيلة هذه أمه، وأصدقك القول إنَّ كل هذه التفاصيل قد لا تهمك في شيء، ولن تخسر شيئًا إذا لم تعرف من هو عتبان هذا ولا خبره. المهم ... أنَّ هذا الرجل كتب قصيدة صاخبة مجلجلة في شبيب بن يزيد الخارجي، ومنها أنه افتخر بمن حوله، حتى قال فيهم:
فمنا سويدٌ والبطينُ وقعنب ... ومنَّا أميرُ المؤمنين شبيب
فادَّعَى الإمامة لشبيب، فلما وقع في يدِ عبد الملك بن مروان وكاد أن يفتك به، واستفسره عبد الملك عن قوله؛ قال: يا أمير المؤمنين إنما قلت: «ومنَّا أميرَ -بالفتح- المؤمنين شبيب». على النداء؛ أي: ومنَّا يا أمير المؤمنين شبيب، فانظر إلى هذا الرجل كيف نجا من سيف عبد الملك بتغيير موقع إعراب كلمة.
وكتب التراث مشحونة بنظائر هذا الخبر، وكلها تدور حول أنَّ الفطنة إذا اجتمعت مع سلامة اللغة كانت سببًا في إفلات صاحبها، وممن يذكر في هذا الباب "سديد الملك"، وهو أحد المشهود لهم بالفطنة وحدَّة العقل، وسبب نجاته أنه فهم شفرة من كاتب الوالي فأنقذت رقبته؛ وذلك أنَّ الوالي أراد استدراجه لقتله، فأمر الوالي كاتبه أن يرسل لسديد الملك خطابًا، فأرسل الكاتب الخطاب كما أمره الوالي، وكتب في آخره (إِنَّ شَاءَ الله)، فشدد الكاتب النون من (إنْ)، وهو خطأ لا يمر مثله على مثل هذا الكاتب، ولم يفطن أصحاب "سديد الملك" إلى ما فطن هو له بعد أن عرضه عليهم، فقال لهم: إني أرى ما لا ترون في الكتاب، ثم أجاب عن الكتاب بما اقتضاه الحال، وكتب في جملة فصول الكتاب (إنَّا الخَادم المقر بالأنعام)، وكسر الهمزة من (أَنَا) وشدد النون، فلما وصَل الكِتاب إلى الكاتب ووقف عليه سر بما فيه، وقال لأصدقائه: قد علمت أن الذي كتبته لا يخفى عن مثله، وقد أجاب بما طيَّبَ قلبي عليه، وكان الكاتب قد قصد قوله تعالى: (إنَّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك)، فأجاب سديد الملك بقوله: (إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها)، وأمثال هذه الأخبار كثيرة في كتب التراث، فكم من محكوم عليه بالموت أنقذت اللغة رقبته! وكم من أسير فكت اللغة وثاقه!
وقد ورد أيضًا في بعض الأخبار أنَّ اللغة كانت سببًا في النجاة من القتل؛ وذلك بالاعتماد على بعض القواميس في بيان «دليل البراءة»، وذلك ما أورده الشنقيطي في "تراجم أدباء شنقيط"، أنه وقع نزاع بين قبيلتين، وسعَتْ قبيلة أُخرى في الصلح، فتراضوا بحكم الشرع، وحكموا عالِمًا بينهم، فاستظهر أن يُقْتَل أربعة من قبيلة، بأربعة قتلوا من قبيلة أخرى، فقال الشيخ "باب بن حمد": إنَّ مثل هذا لا قصاص فيه، فقال القاضي: إن هذا لا يوجد في كتاب، فقال: هو لم يخلُ منه كتاب، فقال القاضي: هذا القاموس، يعني إنه يدخل في عموم كتاب، فتناول الشيخ "باب بن حمد" القاموس، وأوَّل ما وقع نظره عليه: "والهيشة الفتنة وأم حبين، وليس في الهيشات قود، أي: في القتيل في الفتنة لا يُدرى قاتله، فتعجب الناس من مثل هذا الاستحضار، في ذلك الموقف الحرج.
والنماذج في هذا الباب كثيرة وقفت على ما يربو على خمسين خبرًا، ولكن يضيق المقام عن إيرادها، فتعلّم العربية وأنقذ رقبتك.
الكناية التي أنقذت محمود السعدني.
ليست مثل هذه الأخبار مقتصرة على أخبار التراث، بل يحدثنا العم محمود السعدني عن كناية أنقذته من حكم قضائي، حين برأ الوزير من مسؤولية تعويض في بعض القرى عن هدم منازلهم لإقامة أحد الطرق، فكتب السعدني أنَّ الوزير ليس مسؤولًا عن الهدم أو البناء، لأنَّ كل ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، فالمسؤول عن ذلك إنما هو اللوح، واللوح في العامية المصرية سُبَّة.
لقد كانت نجاة هذا الأديب بالتمترس خلف الكناية، وهذه الواقعة لها نظائر كثيرة في التاريخ، وخاصة تاريخ المحاكم، فإجادة اللغة تفتح لك أبوابًا للقول وإن كانت البنادق مشرعة نحو رأسك، وعبقرية اللغة تفتح لك الحديث وإن كان الجو العام مشحونًا بالصمت، وقد اعتمد كثير من الكتاب على الرمز والكناية للكتابة في الأزمنة الـمُخِيفة، ولعل أشهر من اعتمد على هذا الباب أبو الطيب المتنبي حين كتب في كافور الإخشيدي قصائد ظاهرها المديح، وباطنها الهجاء المرّ.
اللغة تنقذك من الزندقة:
إنَّ أسباب التزندق كثيرة، ومن الغلط حصرها في الجهل باللغة، إلا أنَّ هذا السبب يعد من أوضح الأسباب، وقد أدرك علماء اللغة الأوائل هذه الحقيقة، فيقول أبو عبيد: سمعتُ الأصمعيَّ يقولُ: سمعتُ الخليلَ بنَ أحمدَ يقولُ: سمعتُ أيُّوبَ السِّخِتيانيَّ يقولُ: «عامَّةُ مَن تزندقَ بالعِراقِ لقِلَّةِ عِلمِهم بالعربيَّةِ»، وفي رواية: «أكثر من تزندق بالعراق لجهلهم بالعربية»، وعلة أنَّ تعليم اللغة العربية قد ينقذك من الزندقة هو أنَّه يكشف لك معنى النَّص أولًا، فلا تنحرف في فهمه أو قراءته، ثانيًا: أنَّ تعلم العربية يحتاج الإنسان معه إلى قدر لا بأس به من إعمال عقله، فيزيد عقله بقدر إعماله.
ولعلك قد تتهم القائل بأنَّ الجهل بالعربية طريق الزندقة بالمبالغة، ولكنك ترى ذلك حقيقة ظاهرة إذا رأيت كثيرًا ممن يخوضون في الشريعة بلا علم، ويتبجح كثيرٌ منهم بالأخطاء الفاحشة، سواء في القرآن أو السنَّة أو في فهمها، أو حتى أسماء الكتب والمؤلفين.
اللغة تشكل عقلك
ربط القرآن ربطًا ظاهرًا بين أن القرآن عربي وإعمال العقل، فقال الله عزّ وجل: {إنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، وروي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: (تعلموا العربية، فإنها تثبت العقل)، وقال أيضًا: (تعلموا العربية فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة)، ومن هذه النصوص يتجلى لك بصورة واضحة الارتباط بين اللغة والعقل.
فتعدُّ اللغة من أهم العوامل في تشكيل عقل الإنسان، وصياغة مبادئه، وترسيخ الأفكار والطباع؛ وذلك باعتبارها الوعاء الحامل لكل المدخلات العقلية، فتشكيل العقل قائم على المادة المقروءة أو المسموعة وكلاهما مرتبط باللغة، وأيضًا اللغة نفسها كجمل وتراكيب تحمل خصائص واضحة في تشكيل سلوك الإنسان، فترى اللغات واللهجات لها أثر ظاهر في سلوك متكلميها ابتداءً من أسلوب النطق وارتباطه بالتفكير.
وإذا أردت أن تتبين ذلك بصورة عمليَّة فانظر إلى عبارة الجرمي التي نقلها عنه كثيرٌ من العلماء، وهي قوله: "أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس من كتاب سيبويه"، وهو كتاب في النّحو، وقد بحث كثيرٌ من العلماء حول بيان معنى العبارة، فقيل: إنَّ كتاب سيبويه يعلّم العقل، وقيل: إنَّه يفتح آفاق التفسير والنَّظر، وكل الأقوال التي ناقشت العبارة ذهبت إلى أنَّ ذلك إنما هو من أثر اللغة في العقل.
ولا أريد أن أُطِيل فأُمِلك، ولعل ابن شبرمة (ت144هـ) أحد قضاة الكوفة اختصر كثيرًا مما يُقَال، فقال: "إذا سرَّك أن تعظم في عين من كنتَ في عينه صغيرًا، ويصغر من كان في عينك عظيمًا، فتعلّم العربية".
فتعلم العربية يُعْلِي من ذوقك فيرق كلامك ويرتقي، ويعلي من عقلك فيجد له ترسًا يستتر به إذا اضطر إليه، ويتفتح عقلك للنَّظَر والاستنباط والاستدلال والحكم والمحاجة.
إنَّ من الخطأ حصر أهميَّة العربية في صون اللسان من الخطأ، فخطأ اللسان يترتب عليه غالبًا ما لا يُحمد عقباه، والأخبار كثيرة حول ضرر اللحن، وأنَّ مغبة اللحن مهلكة معيبة، تنزل بالرجل الشريف من عليائه، وتحط قدْره بين جلسائه وإن كان ملكًا.




