١٥ صفر ١٤٤٨ هـ
٢٩ تموز ٢٠٢٦ م
تموز الأحمر
أتهيب الحديث، باتت قدرتي على التعبير عن كوامني محل شك لدي، لكن تدفعني الرغبة العارمة في تأريخ هذا الشهر العصيب الذي نئت بحمله، وأثقلتني ضيافته.
تموز الأحمر، يا له من اسم، ربما سبكه عقلي على أنقاض معلومات ضبابية عن أيلول الأسود، وعلى عكس الثاني وما حمله من أحداث سياسية، فتموز هذا المقال ليس له علاقة بالسياسة من قريب ولا من بعيد، وربما أكتشف في نهايته عكس هذا، لا أعلم، فالكلمات تنساب مني دون سابق تخطيط.
قد يظن ظان - لن يظن أحد هذا، ولكن الفكرة أعجبتني - أن صديقي حمو الاشتراكي قد أقنعني بالانضمام إلى منهجه والاقتداء بالسلف الصالح لينين وتروتسكي، وصرت أقرأ صبيحة كل جمعة البيان الشيوعي “el manifiesto comunista” بعد قراءة سورة الكهف، لكن لا، ليس الأمر كذلك البتة، الأمر كله كان متعلقا باختبارات السنة الرابعة في كلية الطب. قد تسأل: إذا لماذا وصفته بالأحمر؟ حسنا، سأخبرك.
في صبيحة اليوم الذي نمتحن فيه الورقة الأولى الخاصة بمادة الأطفال، كنت أراجع أهم الأسئلة أنا وصديقي عمر علام، وإذا به ينظر إليّ فجأة، وألمح في عينيه نذير شؤم، قائلا: “لا لا لا”، ثم شعرت بحرارة الدماء وهي تنهمر من أنفي لتصبغ ملابسي، ولسخرية القدر كانت بيضاء في هذا اليوم. أحاول إيقاف النزيف ضاغطا أنفي في الحاجز العظمي “nasal septum”، ثم أسرعت إلى المرحاض حتى انقطع النزيف، وحاولت تنظيف ملابسي، ولكن أبت قطرات الدماء إلا أن تكون شاهدا على تلك المعاناة المريرة التي أضرت بصحة الروح والبدن.
ولم تكن حادثة فريدة من نوعها، فقد نزفت من أنفي هذا الشهر حوالي ٩ أو ١٠ مرات، ولم يكن النزيف مفاجئا بالنسبة لي، لكن هذا التكرار الذي لم أشهده على مدار حياتي. نعم، فأنا مصاب بالرعاف “epistaxis” منذ الصغر، وهذا لضعف الشعيرات الدموية في أنفي، فكنت أجد نفسي، خاصة في فصل الصيف مع بعض الضغط “stress”، قد فرت بعض قطرات الدماء معلنة العصيان على الوضع القائم من حر وضغط، وسرعان ما ينقضي الأمر حتى أواجهه مرة أخرى في الصيف الذي يليه.
كنت مرهقًا.
وكان جسدي يعرف ذلك قبل أن أعرفه أنا.
لكن هذا الشهر دون غيره كانت الظروف محرضة على هذا العصيان الأحمر، فمع نقص الراحة، والتعرض المستمر للضغط الشديد، والحر القائظ، كان لا بد أن يعلن الجسد ثورته، وأن تتدفق جموع الثوار في انهمار سافر، معلنة سخطها على الأوضاع القائمة، ولشد ما كان الوهن يصيبني عندما أرى نفسي في هذه الحالة، ليس جزعا من الدماء، إنما أرثي لنفسي حالها.
ولم يكن النزيف أكثر ما أرهقني، بل ما كشفه لي عن هشاشتي أمام شهر كنت أظنني قادرًا على مواجهته.
عرفت عن الفلسفة الرواقية في أحد حلقات برنامج في الحضارة لمقدمه أحمد السعدني، وكل ما أتذكره أن المرء يملك ما بداخله من عواطف وانفعالات وأفكار، ولا يملك ما هو خارجه من حوادث الزمان، وعلى ذلك مهما كانت الماجريات فيمكن للمرء أن يحتفظ بسعادته. أعجبتني الفكرة حينها، وعاهدت نفسي أن أحاول السعادة ما حييت، ثم يأتي هذا الشهر العصيب، وأعاهد نفسي في بدايته أن أستمتع بكل لحظة فيه، وأن أنهل من ملازم الطب قدر المستطاع كي أستمتع بالإجازة وأنا لا ألوي على شيء، وكالعادة لم يكن هناك أسهل من التنظير، أما على أرض الواقع فكان الأمر مرارا طافحا، ولم يستطع عقلي ولا جسدي مقاومة ما يحدث، فانهار كلاهما، مخلفين وراءهما بقايا جسد وروح، ولكن حظيت في تلك الأثناء ببعض المرح، ربما مع الأصدقاء في المدينة الجامعية، أو في أحد عوالم نجيب محفوظ الطافحة بمصريتها.
بعدما أنهيت اختبارات النساء والتوليد، كانت هناك فترة كافية للاستجمام في المنزل، في غرفتي العزيزة، بعيدا عن المدينة الجامعية بحرها وصلف عيشها، وإذا بي بعد يومين ونفسي تنازعني إلى صحبي الذين خلفتهم في المدينة، فبعدما فشلت الرواقية وفقدت السيطرة على ذاتي لم يكن للمرء ملجأ سوى أصدقائه فذهبت أجهز المتاع، وأعقد العزم على تقضية تلك الأيام المعدودات مع هؤلاء الصحب الذين لن تقر العين برؤيتهم إلا بعد شهرين.
وصلت غرفتي، وإذا بها خاوية على عروشها، فقد كانا عند الحلاق، وأدركت بعدها أنهما كانا كالوحدة الواحدة، لا ينفكّان عن بعضهما في نوم وصلاة وطعام ومذاكرة، فبعدما قضيت يومين منفصلًا عنهما، صرت جزءا من تلك الوحدة، وكانت تلك الوحدة كالنسمة اللطيفة التي روحت عني في آخر اختبارين.
نستيقظ سويا، نفطر، ثم نشرع في المذاكرة بطريقة مجالس العلم، فأنا أتلو المنهج بصوت مسموع، ثم أحاول تفصيل ما قرأت، وكل منا يدلي بدلوه، حتى تنقطع الأنفاس، وتجف الحلوق، وتعلن البطن عن خوائها، فتدور الأعين معلنة عن حاجة ملحة لاستراحة طعام. وكان الكشري رفيقي الأثير في آخر أيام السنة الرابعة. لم يكن أثيرا جدا، فقد كنت أعاني الويلات بحق طوال اليوم، ولم أكن أجد عبارة تصف ما أمر سوى أني أشعر بـ “ولعة في صدري”.
تنقضي الأيام بخفة وسهولة، ليس لشيء سوى لوجود الأصدقاء. تنقضي السنة الكبيسة معلنة أننا الآن “خامسة جديد”، وما أثقلها! يشعرني هذا اللقب أني انتقلت من طور الطفولة إلى طور الكهولة مباشرة بلا مرحلة وسيطة. ما زلت أتذكر أول يوم في السنة الأولى، وها أنا مقبل على أول يوم، ولكن في السنة الأخيرة، وبدأت أخاف من الشوق، وأخاف أن تتحول تلك الأيام لذكريات، وربما فرت من عيني دمعة أو دمعتان لمجرد تخيل انقضاء هذه الأيام، ولعل هذا النذير أعانني أن أكون صديقا أفضل وطالبا جادا.
جاء يوم الإخلاء من المدينة، فبعد قضائنا يوما ممتعا بعد امتحان طب الأسرة “family medicine” في مركز البلياردو، يوما مليئا بالضحك والمتعة والذكريات الجميلة، جاء الوداع المؤقت. استيقظت الساعة الثامنة، وجمعت متاعي كله، وخلال هذا الوقت تذكرت أول يوم في المدينة وأنا أفرش متاعي وأهيئ الغرفة لعام جديد. ها أنا ذا أتجهز للإخلاء، معلنا انقضاء عام آخر. ودعت الأصدقاء، ولشد ما أثر في وداع صديقي بلال، لا أعلم لماذا، لكن لم أظن أني بهذا القرب منه. يفعل المرء أشياء ولا يدرك نتاجها إلا في لمحات خفية كتلك.
تتحرك السيارة طاوية الطريق خلفها، وأنا أفكر في المدينة… أحقا أفعل هذا؟! يا لغرابتي! كم كنت أهرب منها، وأتمنى دقيقة واحدة تحت التكييف في غرفتي، لكن لا عجب أن أشتاق لتلك الغربة المؤنسة. وهل يمكن للغربة أن تكون مؤنسة؟ وهل يصح أصلا أن تسمي مكانا تجد به إيناسا أنه غربة؟ لا أظن، لكن مشاعري المتناقضة ناحيتها أنتجت هذا التركيب المتناقض، فها أنا ذا وأنا بعيد عنها أشتاق لأنسها، وعندما أكون هناك أتمنى طعاما ساخنا، وفراشا وثيرا، ونوما هانئا… حسنا، كلنا نعرف أن جوف ابن آدم لا يملؤه سوى التراب، وبالنسبة لي ترجح كفة الأنس على أي كافة أخرى.
وتأنسُ النفس في نفسٍ توافقها
بالفكرِ والطبع والغاياتِ.. والقيمِ
والروحُ للروحِ تَدري من يناغمها
كالطيرِ للطيرِ… في الإنشادِ ميّالُ




رائعة كالعادة
حسيت بروح نجيب محفوظ وسط السطور معرفش ليه ؟!