كبرتُ ونشأتُ على أنني “ابنة المدينة”. لم تكن مدينة طفولتي في المركز، بل كانت امتداداً لأحد الأقاليم؛ كنت الفتاة الوحيدة لأخٍ وحيد، في أسرة صغيرة انفصلت بشكل جزئي عن العائلة الممتدة. عرفتُ أخوالي وأعمامي في المناسبات فقط، وفي عطلات نهاية الأسبوع العابرة. تعرضتُ لعائلتي الممتدة بقدرٍ ضئيل، سمح لي فقط أن أعرف كيف تجود القرى على أبنائها بنوعٍ آخر من “الوصل” وتبخل به المدينة. ومع الوقت، تشكلت ملامحي النخبوية لا كتعالٍ، بل كدرعٍ يحميني من اجتياح الزحام، ويقدس المسافات الباردة التي تسميها المدينة “رقيًّا”
كانت شقتنا في أطراف المدينة تشبه حصناً من الطمأنينة الباردة. نشأتُ وأنا أرى العالم من خلف زجاج النوافذ المغلقة بإحكام لمنع ضجيج الشارع. في بيتنا، كان للصوت إتيكيت وللحركة حدود. لم أكن أعرف أن خلف تلك الجدران، هناك عالمٌ آخر يقتات على المشاركة. كنت أسمع قصص العائلة الكبيرة كأنها أساطير إغريقية، عن موائد تمتد بطول الممرات، وعن مشاجرات تنتهى بالأحضان، وعن بيت العيلة الذي لا يغلق بابه أبداً. كنتُ ابنة لأسرة رباعية، أظن أن الرقي يكمن في ألا يعرف الجار اسم جاره، ولم أدرك أن هذا الرقي هو نوع من اليتم الاجتماعي المغلف بالأناقة.
العدالة الخشنة: حين تنتصر لك الغلظة
أحياناً أشعر كما لو أن لأصل الإنسان ملامح تظهر على قسمات وجهه، وكانت “هي” التطبيق المادي لهذه النظرية.
جاءت خلفي في طابور التذاكر، تأملتُ في ملامحها، وجدتني أستعيد وجوه بطلات نجيب محفوظ اللواتي لم يقرأن نظريات الجندر أو التمكين، لكنهن مارسن السلطة والعدالة بفطرتهن الخام. هي تشبه نعمة الله في وكالة البلح؛ كانت تلك المرة الثانية لي في حياتي التي أستقل فيها القطار، بينما بدا الأمر كأنه روتينها الشهري. كنتُ وحدي تماماً، أنا وحقيبة ظهري التي لم تسلم من نظرات امتعاض تلك السيدة. وقفت خلفي كظلي ثم سألتني بلهجة آمرة “هو انتي ده دورك؟”.
فأجبت باقتضاب وحذرأن “نعم!”.
ثم أتبعته على الفور بسؤال اخر: “القطر ده رايح كذا؟“ قلت “لا أعلم كل المحطات!”
زارني بعض التوتر، لا أنكر فأنا ابنة الاسمنت التي تفقد طافتها فى أبسط تفاعل اجتماعي. فجأة، تقدمتنا بعض النساء في صفٍ موازٍ بـ”فهلوة” المعتادين، ولم أنتبه. وربما، حتى لو انتبهت، ما كنتُ لأبادر بالاحتجاج؛ فنخبويتي تمنعني من الدخول في صخب المشاحنات. لكن “سيدة الطابور” كان لها رأيٌ آخر.
ارتفع صوتها الجهوري ليشق الصمت: “أنا والأستاذة قبلكم.. تعالي يا أستاذة“. وجذبتني من ذراعي بقوةٍ وضعتني في مقدمة الصف الآخر. صحيح أن المشادة التي كنتُ أتجنبها قد حدثت، لكن شيئًا من الودّ تسلل، أو ربما كان احترامًا خفيًا لـ “عدالتها الخشنة” التي استردت لي مكاني دون أن أطلب!.
في تلك اللحظة، اصطدمت نخبويتي الحذرة بـ “أصول” لا تقرأها كتب الإتيكيت
قرأت فى كنت الأنثروبولوجيا أن هناك ما يسمى بالمسافة الشخصية، فابن المدينة النخبوي يقدس مسافة الـ 50 سم حول جسده، ويعتبر أي اختراق لها وقاحة. وبينما كنتُ أتمسك بمسافتي كحق دستوري، كانت سيدة الطابور تتحرك بـ “فطرة الزحام”، حيث تذوب المسافات في الثقافة الشعبية، ليس لأن الآخر “تهديد”، بل لأنه جزء من “العزوة”. حين جذبتني من ذراعي، لم تكن تنتهك خصوصيتي في عُرفها، بل كانت “تضمني” لحمايتها. هي لا تعترف بحدود الجسد الإسمنتية التي بنيتها حول نفسي، بل نصبت نفسها وصياً على حقي الضائع، في مشهد يجسد كيف تجود القرى -حتى في قلب المحطات- بما بخلت به المدن من أمان جماعي.
جنتلمان المقصورة.. الذكاء الصامت
داخل العربة جلستُ ألوذ بكرسيي المنفرد، أحاول استعادة طاقتي المهدورة. لم تكن سيدة الطابور هي القدر الوحيد. جلس أمامي رجلٌ بملامح وقورة ونظارات نظر طبية، يرتدي ثياباً لم تكن رسمية تماماً لكنها تحمل مسحة من انضباط المدينة. نظرتُ إليه بشالي الملون بلون الاستبرق وحقيبتي التي كانت جريمتي في نظر السيدة السابقة، وبادلته ابتسامةً باهتة. كان ذكياً، والذكاء في الوجوه لا يحتاج لتعريف،هو لمعة في العين وقدرة على قراءة الغريب دون فضول فج. جلستُ في مقعدي المنفرد أحاول ترميم طاقتي التي استنزفتها ‘الجدعنة الخشنة في الخارج، ولم أكن أعلم أنني على وشك الوقوع في فخ سذاجتي الخاصة.
خرافة القطار الذي لا يتوقف
توقف القطار فجأة في خلاءٍ لا يوحي بمحطة. وبمنطق الكتب التي ألتهمها، القطار لا يتوقف إلا لغاية. تذكرتُ جدتي ياسمين وهي تصف كل صبي مندفع تعرفه بقولها ده داخل زي القطر أو عند التهام أحدهم الطعام بسرعة كبيرة ده كله زي الديزل -”الديزل” هو القطر فى القاموس الشعبي- كأن القطار في الوعي الشعبي هو الكائن الذي لا يوقفه عائق. تساءلتُ بصوتٍ عالٍ عن السبب، فجاءتني إجابته بابتسامةٍ تحمل مزيجاً من الشفقة والتعالي المحبب والذي عرفت سببه فيما بعد، “ربما إشارة.. ربما مزلقان.. انتي عمرك ما ركبتي قطر؟” في تلك اللحظة، سقط قناع النخبوية؛ كنتُ أحمل شهادات علمية وأقرأ في الأنثروبولوجيا، لكنني أمام قانون السكة الحديد كنتُ تلميذة مستجدة تعترف بخجل: “لنعتبرها المرة الأولى”.
كان تعامله معي ينبع من أبوية مهنية ملحوظة، إذ عرفتُ لاحقاً أنه مهندس، وفهمتُ حينها سر تلك الابتسامة التي رمقني بها. فكل مهندس لدينا يمتلك يقيناً باطنياً بأنه حارس القواعد، وصاحب الربط والحل، والشخص الذي يمتلك الكتالوج السري لميكانيكا الأشياء والحياة..
البرلمان الشعبي.. والشفقة على الغريب
لطالما تأملتُ في الجهورية التي تصبغ حياتنا، من صراخ إمام المسجد في مكبر الصوت الذي يخترق جدران بيتي، وصولاً إلى صوت السيدة الذي شقّ هدوء المحطة. كنتُ أظنها غلظة فطرية، حتى استوقفتني رؤية قدري حفني لسيكولوجيا الشخصية المصرية يرى أن الصوت العالي فى بيئة مزدحمة ليس إلا إيقاعا للبقاء!
في مجتمع المقطورة، حيث يتسارع كل شيء ويطغى ضجيج الآلات والجموع، يصبح الصوت الخفيض مرادفاً للعدم، أو للتلاشي..
لا أعلم كيف انفرط عقد الخصوصية في لحظة. سؤالي للرجل الوقور لم يظل بيننا، بل تلقفه ركاب العربة كأنها كرة نار. فجأة، تحولتُ من ‘الأستاذة’ إلى المسكينة الغريبة التي تخوض مغامرتها الأولى في أحشاء هذا الكائن الحديدي. سقطت كل الحواجز التي بنيتها بشالي وحقيبتي، صار الجميع خبراء في السكة الحديد، والجميع يحلل عطل الإشارة، والجميع -وهذا هو الأدهى- قرروا جماعياً أنني بحاجة للحماية. انهمرت عليّ خمسة عروض لتوصيلي، ليس لأنني تائهة، بل لأنني_بنتهم_ التي لا تعرف خبايا الطريق. في هذه اللحظة، أدركتُ أن المجتمع الشعبي لا يعترف بـ “الاستقلال الفردي”، فالفرد الوحيد في عرفهم هو مشروع تائه يجب إنقاذه فوراً!
وجدتُني ألوذ بشاشة هاتفي، أبحث عن “أصدقائي الرقميين” لأشكو لهم من “ود الغرباء الحقيقيين”. يا للمفارقة! أهرب من دفءٍ ملموس إلى كلمات مكتوبة خلف زجاج بارد. كنتُ أشعر بتخمة عاطفية، فأنا التي اعتدتُ على قطرات الود القليلة في حصني الإسمنتي، وجدتُ نفسي فجأة تحت شلال من الاهتمام غير المشروط. عرضُ التوصيلة،الاستفسار عن وجهتي.. كلها كانت سهاماً من اللطف أو الود الزائد أو “الحشرية” كما نَعَتًها حينها لم تتدرب روحي النخبوية على استقبالها دون ريبة. كنتُ أشكك في العفوية، وأبحث عن مصلحة متوارية خلف العرض، ثم أخجل من نفسي حين أدرك أن مشكلتي ليست فيهم، بل في تربية الأسوار التي علمتني أن الغريب هو آخر بالضرورة، ولم تعلمني أنه قد يكون امتدادا مطروحاً على طين الأرض. لم تكن سيدة الطابور مقتحمة، بل كانت تمارس حق الجوار -من وجهة نظرها بالطبع- في زحام الوطن. ولم يكن جنتلمان المقصورة متعالياً، بل كان يمنحني مفتاح المرور لعالم لا يعترف بالمسافات الشخصية الباردة.
أفكرُ الآن في مدى دقة وصفي لهذا الود الجارف بـ”الاجتياح الناعم”، حيث لا مساحة تُترك للصمت أو الخصوصية، وحيث تتلاشى تلك الشعرة الفاصلة بين الجدعنة وبين الحشرية. في زحام نمرة 7 ، تمّت مصادرة حقي في أن أكون غريبة فمجرد تساؤل عابر أسقط حصانتي الشخصية، وجعل من خط سيري، وقصة حياتي، وسذاجتي التقنية مَشاعاً للجميع. شعرتُ بنوع من الوصاية الاجتماعية التي تفترض سلفاً أنني -كأنثى وحيدة وابنة مدينة- مشروع تائه دائم بحاجة للإرشاد. وتصيبني الحيرة: كيف يمكننا تقدير هذا التكافل الشعبي الذي يحمينا في لحظات العطل، دون أن نختنق بضغطة اقتحام أدق تفاصيلنا؟ لا أنكر الأمان الحقيقي الذي قدمه البرلمان الشعبي في العربة، لكنه كان أماناً مشروطاً بالتخلي عن تلك المساحة من الخصوصية التي نعتبرها -نحن أبناء الإسمنت- خط الدفاع الأخير عن ذواتنا..
في النهاية ..
يبدو أننا ننشئ أسواراً من النخبوية لنحمي أنفسنا من الزحام، فننتهي أحياناً بحماية أنفسنا من الحياة ذاتها. لقد تعلمت داخل المقصورة أن الأصول لا تحتاج لإذن دخول، وأن الحكمة ليست في تعقيد العلاقات، بل في بساطة الاندماج التي تمارسها تلك السيدة، وفي اليقين العملي الذي يمنحه ذاك المهندس.
لكنني خرجتُ من هذه الرحلة بحقيقة أكثر تعقيداً، وهي أننا نعيش في هذا الوطن بين مطرقة عزلة المدن وسندان الاجتياح الشعبي. سأظل ممتنة لتلك الغريبة التي جذبتني من ذراعي لتمنحني حقاً ضائعاً، وللبرلمان الشعبي الذي نصب لي مظلة أمان حين تعطل المحرك، وسأظل في الوقت ذاته متمسكة بحقي في أن أكون غريبة وحرة خلف أسواري الخاصة.
لقد كانت رحلتي في مقطورة نمرة 7محاولة لترميم ما يكسره الواقع فينا، ولإيجاد لغة تليق بصدقٍ خشن لا تسعه الأحاديث العابرة. سأدعوكِ صديقتي، يا من تكفلتِ بحمايتي دون أن تطلبي فهمي، ليس لأنني استسلمتُ لوصايتكِ، بل لأنني أدركتُ أن الجمال الحقيقي قد يكمن أحياناً في ذلك الاقتحام الذي نخشاه، تماماً كما تفعل الأمهات في روايات محفوظ، وكما تفعل الحياة حين تقرر أن تصدمنا بجمالها الخشن.



عظيم أوي ما شاء الله تبارك الرحمن ، حقيقي مذهلة ما شاء الله اللهم بارك....ربنا يزيدك من فضله...كل ما بقرأ حاجة ليكي بشعر إن الكلمات والتشبيهات والمعاني كأنهم فرش وألوان بتكوني بيهم لوحة كاملة في صورة نص....
أَنْعِم به من نص!
توحفا❤️❤️