أول عهدي بعبد الوهاب مطاوع كان في أواخر سنين الجامعة، وأ. مطاوع كان يشغل منصب مدير تحرير جريدة الأهرام، وكان يكتب فيها باب بريد الجمعة الإنساني كل أسبوع بانتظام منذ عام ١٩٨٢م، كنت مهتمةً جدا بعناوين كتبه: هتاف المعذبين، فتاة من قاع المدينة، بعد مغيب القمر، أعط الصباح فرصة، الرسم فوق النجوم، صديقي لا تأكل نفسك. وتنوعت كتاباته بين المقالات والقصص الأدبية وأدب الرحلات.
أختاره دائما ليكون رفيق الأيام الصعبة، وليالي الامتحانات، حيث لا أجد الوقت الكثير لأقرأ فكان يؤانسني في أوقات الانتظار والمواصلات بعد الامتحان، أتأمل في أحوال الناس ومشكلاتهم، والفقر، والدراسة، والزواج والعيال، وفرص العمل الضئيلة، والتجنيد الإجباري، وما يجول في فكر قرائه. أنشد في ذلك كله الأنس والتعزية، وأبحث عن الرحمة ومحاولة رؤية وترجمة الآخر لأن الظاهر من أفعال وسلوكيات لا يحكي دائمًا كل شيء. وربما لهذا يبدو بريد الجمعة اليوم كالأثر القادم من مجتمع ذي إيقاع أبطأ وفرصة أكبر للتراحم والإصغاء.
كانت قراءة بريد الجمعة شيئا يزاحم الغياب في تجربتي في الصغر، فلم نكن نقتني جريدة الأهرام بل الجمهورية ولم يكن لدي اشتراك في المكتبة العامة التي أحصل منها على الكتب الآن لبعدها عن البيت، وفاتتني تجارب أخرى، وهذا مفهوم لطفلة قليلة الاحتكاك بالعوالم الواسعة خارج البيت والمدرسة والدرس وأماكن أرتادها في الخروجات العائلية والرحلات من وقت لآخر. وحين كبرت واتسعت خطاي، شعرت بضرورة تعويض ما فاتني، أشاهد العروض التلفزيونية التي كانت تعرض في فترة المدرسة، وأقرأ للكُتاب اللامعين آنذاك، أبحث عن صور الأماكن بتواريخ قديمة حتى أشاهد كيف كانت. صارت هذه هوايتي مع الأيام، وأصبح جزء من حياتي أعيشه كمحاولة استدراك واستعادة دهشة قديمة وزيارات سريعة وخفيفة لأيام الصبا تسد ثقوب الماضي والحاضر.
في محاولة لمعرفة ما الذي تغير فعلا في المجال العام، بين بريد القراء وروابط حسابات الأسك، ماذا يصنع الفجوة بينهما رغم أن كليهما يقوم على نفس الشيء تقريبًا، الاعتراف والبوح.
أتأمل كيف كان الجمهور محددًا في بريد الجمعة، فهو موجه لقراء جريدة الأهرام بشكل عام ولمتابعي البريد خاصةً، على عكس ما يحدث الآن، لا يوجد جمهور مستهدف بعينه وذلك يجعل الأمر يتجاوز السائل والمجيب ليصير نقاشًا عامًا، كلٌ يستطيع أن يدلو بدلوه دون وضع اعتبارات كثيرة في الحسبان. وهذا يجعل هذه المساحات تفتقد الأمان والثقة بالرغم مما تتيحه من خصوصية وسرية ولكن يتحول الأمر في النهاية إلى مادة للتداول الجماعي.
وأيضا فكرة البريد الأسبوعي تعطي إيحاء أن المجيب يستغرق وقتًا في التفكير ومحاولة صياغة الجواب المناسب من وجهة نظره وكتابته ثم نشره، ولكن التكنولوجيا استبدلت هذا البطء بإيقاع فوري، تستطيع أن ترسل سؤالك وربما تتلقى ردا في غضون ساعات قليلة.
يوضح بيونج تشول هان هذه الفكرة في كتابه “مجتمع الشفافية” في إطار الممارسات الدينية التي يصفها بالحدث السردي، ولذلك فإن الطريق إليها ليس ممرًا يجب عبوره بأسرع وقت، بل مسارًا غنيًا بالدلالات والمعاني الكامنة.
كأن هذا التسارع ينزع من المعاناة البشرية وعملية توليد السؤال والبحث عن الإجابة ثقلها ومعناها، محولًا إياها إلى ممر فارغ.
يسلب واقعنا منا أفعال كالتأني والتأمل ومتعة فعل اللا شيء كما يعبر عنها بالإيطالية »dolce far niente« ، وربما يثير ذلك فينا سؤالا إذا كان هناك متسعٌ من الوقت للقراءة، فلم نقرأ بريد الجمعة؟ لم لا نقرأ الاقتصاد والفلسفة والسياسة والتراث؟
دائمًا كنت أشعر بمسؤولية تجاه ما أفعل بشكل عام، يجب أن يكون كل شيء في إطار النظام والجدية، ولكن مع الوقت اكتشفت متعة خلق مساحة للرفاهية، للهدوء، وللمكافأة، مسلسل أو فيلم جميل، حلقات متتالية من الكارتون، وبريد الجمعة، أثق في فعل الجمال وأثره وربما لا أكتشف فائدة معينة في الإطار النظري ولكن أجد بغيتي في الأثر الملازم له من انشراح الصدر والسكينة والشعور الحقيقي بالوقت والانفتاح على إدراك جماليات أخرى، تعلم الانتباه.
يقول الغزالي: “مَن لم يحرّكه الربيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج.”
دائمًا نقع في سؤال الأفضلية؛ لأن الوقت هو أثمن ما نملك، ولكن لم أعد أرجو الحكمة من شيء أو مسمى بعينه، بل أدركت أنها عوالم مفتوحة، يمكن أن تراها وتجدها في كل شيء، ولأنني أؤمن بأن فرادة التجربة الإنسانية وهم، أؤمن بالقراءة السننية المتأملة في فعل الله في الكون وفي النفس البشرية وما يخطر عليها من تغيرات عبر الزمن وما يتقارب حد التماثل متجاهلًا ومتجاوزًا الزمن.
لم تكن رسائل القراء صندوقًا للشكاوى فحسب، بل أرشيفا اجتماعيا يجمع أصواتًا ربما لم تكن لتلتقي في الحياة اليومية، وتقترب عبره المسافات -ولو قليلا- بين الأجيال.
النظرية تضع لي الحدود وترسم لي الأسس، ولكن ينمحي أثرها حين نتوقف عند هذا الحد، حين نتوقف عن المراقبة عن كثب والانصهار في الجموع، وحين لا يمتد خيالنا لما يعكسه الواقع. أحتاج مع النظرية أن أنظر للإنسان، وأن أسمع صوته، وأرى تعابير وجهه، وألاحظ لزماته اللغوية، كيف يعبرعن نفسه؟
لأن المعنى كما نتصوره ونبحث عنه حولنا، في الكون الفسيح، يجب أن نلتفت إليه داخلنا.
وأختم بقول يونج:
“The wildest and most moving dramas are played not in the theatre but in the hearts of ordinary men and women.”
لم تغنيني كثرة الكتب عن محادثة أو موقفٍ في الحياة العادية، حين أتحدث مع الغرباء مكتشفة سحر مودتهم أو ضيق خُلقهم في الأيام اللي مش أحسن حاجة، حين أداعب الأطفال، أو أصير طرفًا في مشكلة لا دخل لي بها ولكن حظي أنني أجلس في الميكروباص جنب صاحب/ة المشكلة أو أقرأ رسالته/ا في بريد الجمعة.




واو نيّووورة، مقال ماتع💘💘
جميل جدا كالمعتاد ❤️❤️❤️