في ظني، لا يوجد شخص على وجه الكوكب لم يشعر أنه “مديون” من قبل، ولا سيما أننا نعيش في عصر يصعب فيه العثور على الأشياء المجانية، حتى بعض ما يعتقد الإنسان أنه يفعله بدون مقابل، لو أمعن النظر بتفحص سيجد نفسه غالبا فعلها بمقابل. وهذه سنة من سنن الحياة.
وحتى لو لم تكن مديونا لشخص بعينه سترى نفسك مديونا لمواقف أظهرت فيها معدنك، أو مديونا لكلمة قيلت فأنصفتك، أو ممتنا لصدفة غيرت من حياتك.
ولكن هنا السؤال ..
هل شعرت يوما أنك مديونا لكل الناس حتى الذين لا يستحقون هذا الشعور؟ هل شعرت يوما بالذنب لدرجة أنك اخترت قرارات في حياتك لم تقررها بنفسك لإرضاء الآخرين؟ كم مرة شعرت بثقل كلمة “لا” وجعلتها اختيارا ليس موجودا في قاموسك؟ كم مرة شعرت أنك لا تستحق الأفضل؟
لي أصدقاء فضلوا تخصصات دراسية معينة فقط لأنه يشعر أن والديه يميلون له. اختار هذا التخصص وهو لا يحبه فقط لإرضائهم وهم لم يجبروه! بل هو من رأى أنه ليس من العدل أن لا يحقق غاية والديه، وعندما سألته": وما العدل في ذلك؛ فهم لم يجبروك عليه. أجابني بأنه سيشعر بالذنب طيلة حياته إن لم يحقق لهم هذا الحلم ولا أخفيكم سراً أنه تخرج ولم يعمل في ذلك المجال منذ خمس سنوات.
ولي ما هو أقرب من صديق يرى أن له ماضٍ سئ، ورغم توبته التي نحسبها نصوحا، كلما عُرض عليه المقربين منه امرأةً صالحةً يرد بأنه لا يستحقها، وأنه سيشعر بالذنب إن ارتبطت بشخص له ماضٍ؛ على الرغم من أنه تاب منه، ونسيناه جميعا؛ لكنه لم ينسَ أبدًا. لم يتوقف الأمر هنا، بل امتد إلى عمله وأشغاله، وبعد ما رزقه الله ثمره اجتهاده في عمله يرى أنه لا يستحق ذلك.
في كل مرة شعرت بالذنب لم أبحث أبدا عن سبب هذا الإحساس، ولا اعلم تحديدا لماذا ولكني أعتقد أنه إحساس صادق لا يمكن التشكيك فيه؛ فأتجنب البحث عن الأسباب. فقط رضيت بالسعي إلى المنح بدلًا من الأخذ، وإلى استرضاء الآخرين بدلًا من الرضا عنهم.
قد يورثني هذا شعورا بعدم الاستحقاق، وقد يغرقني بلا عودة، وقد تكون الحياة مليئة بالأخطاء التي يفعلها المرء في حق نفسه. ومع تراكم الأفعال السيئة التي يفعلها الإنسان تجاه نفسه -سواء أكانت معروفة للآخرين أم ستره الله- يزيد شعور الذنب عندك؛ فتجد نفسك تخطئ وتتوب، ولا يمر يوم إلا وقد ضاعت توبتك، فتخطئ وتتوب، فيتولد بداخلك شعوراً ملحاً أنك تريد تعويض هذا، ومع مرور الوقت ستجد نفسك في دوامة إسترضاء البشر ليعوضوك بكلامهم نقصاً نشأ داخلك .
ولا شك أن الشعور بالذنب في حد ذاته لا يعد من الصفات التي يتسم بها ضعيف النفس؛ بل على الحقيقة، فالشعور بالذنب على أقل تقدير قد يكون دافعاً لإصلاح ما قد قمت بتخريبه. ولكن ماذا إن كنت لم تخرب شيئا -بعد- وبالرغم من ذلك لا زال يطاردك شعور بالذنب ينهش في قلبك تارة، ويدعوك للإصلاح تارة، ويجعلك مسترضيا لأقصى حد تارةً أخرى.
ان كنت من الذين يشعرون أنهم مذنبون سواء كنت مذنب بحق أو موهوم فدعني وانا لست أهلا لعلاجك أن أعطيك نصيحة قد لا أجيد سبك عباراتها، لكنني والله أصدقك.
اعتزل الشيء الذي يخلق داخلك شعوراً أنك لست كافيا، وأنك مضطر إلى تغيير ما لا تريد تغييره في نفسك لتلقى الاستحسان. واجعل الناس آخر الأسباب التي تذهب للتغيير بسببها، ولا تنتظر لطفاً ولا حلماً إن لم تكن لطيفاً وحليماً. في المقابل والله ما كنت لطيفا مع أحد احتاج لطفي إلا وبعد وقت قصير -وأحيانا قصير جداً- في مكان آخر مع أشخاص آخرين تجد أحدهم يقول لك أن الله رزقك قبول، أو أنه يحبك ولا يعلم لماذا.
إن كنتُ قد استفدتُ شيئاً في الربع قرن الماضي تقريبا في عمري هو التفرقة بين العطاء والاسترضاء. الاسترضاء هو السعي لرضا البشر، أما العطاء والإيثار هو محاولة استرضاء الله الذي إن أرضيته -كما ورد في الحديث- رضي الله وأرضى الناس عنك، والأهم .. رضيت عن نفسك.




توصيف رائع كالعادة، تسلم ايدك يحودا
👏🏻👏🏻👏🏻