في أصل النفور: معارك آمنة وعبادة الحزن
كل الجدل الذي يدور حول “كايروكي” وأمير عيد جميل جداً؛ لأني بالفعل لا أخفي كوني لا أطيقهم منذ زمن طويل جداً، لكن لم يكن لدي تفسير واضح لِمَ أنا لا أطيقهم.
منذ أيام أغنية “السكة شمال” مثلاً، والتي كانت تمثل حقبة واضحة جداً يُرَصّ بجانبها مجموعة من الأغاني مثل (ما بيننا شيتااااااااااااااااااان) الخاصة بالأستاذ حمزة نمرة.
كان الوقت مبكراً جداً عندما يثبت مغنو ما يُسمى بـ “الأندرجراوند” أنهم أصحاب مواقف آمنة ومعارك نوستالجية، كما يصفها المقال العبقري لريم حسام “ينعون الإنسان قبل موته”.
عبادة الحزن لذات الحزن هذه.. في لحظة كانت بالنسبة لكثير من الناس الفاعليةُ فيها لم تمت بعد، والكلمة لها وزنها.
لكن من السهل أن يحاول أحدهم التعالي على صراع الحق والباطل، ويقول إنه حزين على الوضع الذي وصلنا إليه يا أبناءُ بشكل قميء.
مشكلتي مع تسمية “الأندرجراوند”
طبعاً تسمية “الأندرجراوند” هنا هي تسمية في حد ذاتها مشكلة وعويصة جداً ومزيفة بدرجة كبيرة.
وصف “أندرجراوند” يجعلك تشم رائحة حشيش مقاهي وسط البلد الآن، وليس أي شيء آخر.
ونحن مشكلتنا مع جيل حمزة وكايروكي، أو حتى كل مغني مشهد الراب بعدها باستثناءات قليلة، ليست أنهم “أندرجراوند” ثم انتقلوا من مقاهي وسط البلد الرخيصة إلى حفلات الساحل الغالية.
نحن مشكلتنا أننا طوال الوقت مأزومون بنخبتنا.. الممثلون ولاعبو كرة القدم والمغنون والمذيعون وكل المشاهير في بلدنا نخبة منحطة وطبقة مغلقة على ذاتها.. تنتج مقولات وفناً لا علاقة له بـ 99% من الشعب والناس.
انت تتخيل أن هذه مشكلة حديثة ظاهرة في المسلسلات والأفلام الآن.. لكن هذه حقيقة مصر طوال عمرها.
الخمر مثلاً على موائد الممثلين في الحقيقة وفي الأفلام قديمة قِدَم السينما المصرية ذاتها.
الزنا والعلاقات خارج إطار الزواج، وحتى القبلات الفرنسية التي لا يحسنها 99% من المصريين، هي ضيف دائم على موائد السينما المصرية، إلا فترة وجيزة يكرهها كل صناع الفن تقريباً ويسخرون منها، اسمها “السينما النظيفة”.
مشكلتهم معها ليست أنها نظيفة ولا أنها متدينة.. ولكن لأنها لأول مرة أصبحت سينما تشبه الـ 99% من الشعب الفلاحين الرعاع الذين يحتقرونهم.. وهذا لم يحدث إلا عندما اقتحم باب السينما جيل كامل من الممثلين كلهم من الطبقة المتوسطة المصرية الحقيقية، ليسوا مدعين، وأخذوا قراراً طبيعياً وعضوياً جداً بأن يكونوا يشبهون الناس.
هامش: بالمناسبة.. 100% من سجالات الدين في المجال العام في مصر لا علاقة لها بالدين.. من يدافع عن الدين فيها أو المحافظة.. هو يدافع عن الشيء الذي يراه يعبر عنه وعن كل من يعرفهم.. ومن يهاجم فيها السلوك المحافظ يكون دائماً شخصاً منفصلاً عن الواقع ويشعر طوال الوقت بالتهديد، يحتاج أن ينفصل شعورياً عن الناس وواقعهم ولو بسلوك أكثر تحرراً من 99% من الشعب.
قد يبدو لك السجال دينياً.. لكنه طوال الوقت طبقي وعنصري.
نرجع لـ “الأندرجراوند”.
في كل فترة يظهر مشهور في هذه الطبقات الشهيرة يكون خللاً طارئاً (Glitch).. شخص تشبهنا وقيمه تشبه قيمنا.. وقضيته هي نفس قضايانا.
يحدث الشيء التلقائي والطبيعي عندما تظهر نقطة سوداء في واقع أسود مليء بالفقاعات.. يتجمع الناس حولها ويتعلقون بها تعلقاً حقيقياً.
أبو تريكة - محمد صلاح في النصف الأول من حياته - حسام حسن مؤخرًا - ... إلخ.
فمشكلة فنانين ما يطلق عليه “الأندرجراوند” ليست أنهم بدؤوا “أندرجراوند”.
ولكن لأنهم ظهروا معبرين بشكل واضح عن الناس، ويشبهون الناس، ويقولون كلاماً يمس الناس فعلاً.. فتعلق الناس بهم لأجل هذا، لا لأجل أي شيء آخر.
وشعور كثير من الناس بالخيانة منهم هو لأنهم خانوا هذا العقد غير المكتوب.. لا لأي شيء آخر.
كل واحد منهم يقول سردية مختلفة.. فهناك من يقول “أنا أعبّر عن نفسي لا عن الناس وما يريده الناس” كما يفتتح أمير عيد فيديو “سوبر نوفا”.. شكل مهذب من أشكال التعالي على طريقة محمد صلاح في سياق آخر ليس أكثر.
جيل المغنين الذين ظهروا مع الثورة أو ظهرت عليهم الثورة كان أمامهم تحدٍّ كبير بعد أن انتهت فورة الثورة.. وكل واحد منهم استجاب للتحدي بشكل مختلف.. لكن ولا استجابة ظلت وفية لهذه الرابطة مع الناس.
انتهاك الذكرى والتطفل على الحزن
اللحظة الثانية التي عرفت فيها أني لا أطيقهم كانت عندما توفي المغفور له د. أحمد خالد توفيق في يوم من أسوأ وأحزن أيام حياتي، 2 أبريل 2018.
أستغفر الله العظيم يعني على الجنون والتألي.. لكني كنت أشعر أن هذا الرجل لا يصح أن يموت هكذا.. في لحظة هزيمة.
أحمد خالد توفيق كان بطلاً أنتج عالمين":
عالم رغم ظلاميته الظاهرية إلا انه من أكثر العوالم الثرية والجميلة والمتفائلة واللطيفة التي عشت فيها.. عوالم روايات الجيب الخاصة به (ما وراء الطبيعة - سافاري - عبير).. عوالم ينتصر فيها الخير دائماً رغم أن البطل ليس بطلاً تقليدياً.. Unlikely hero (الذي أصرّ المغفور له على تسميته anti-hero وهي تسمية خاطئة).
وعوالم الشر.. وهي كل رواياته المظلمة بشكل صعب (يوتوبيا - مثل إيكاروس - السنجة - ممر الفئران التي هي معالجة لقصة من قصص ما وراء الطبيعة بأنه ينهيها نهاية ظلامية بدلاً من النهاية الخفيفة هناك - شآبيب).
أي شخص قرأ للدكتور عالماً واحداً من العالمين ثم اصطدم بالثاني شعر بذلك الشعور كمن يشرب ماءً بارداً وماءً ساخناً وراء بعضهما وآلمته أسنانه.
فكنت أشعر أنه لا يصح أن يموت وواقعنا أشبه ما يكون بعالمه الظلامي اليوتوبي وأبعد ما يكون عن عالمه الجميل الخاص بـ “ما وراء الطبيعة”.
وطبعاً أيقونة عالمه الظلامي كانت مقطوعة “قد شاب صغيرك يا أمي”.
والتي لم ينتظر “كايروكي” 24 ساعة بعد وفاة الرجل وقدموا لها أقذر وأخس تأبين ممكن.. حولوها لمقطوعة من الشخاخ والنشاز المزري.
بعيداً عن سوء التحضير وفساد الإعراب لكلام من المفترض أنه مكتوب بالعربية الفصحى فيُراجَع إعرابه قبل الغناء.. ولكن أيضاً الشعور بالانتهاك لحرمة الرجل وحرمة ذكرياتنا معه بهذا القبح كان من أقذر تجارب حياتي.. وكما أقول بشكل شخصي يوم وفاة د. أحمد كان من أسوأ أيام حياتي.. فكان “كايروكي” حاضرين بأسوأ خبرات هذا اليوم.
لأنهم لا يستطيعون إلا أن يشخوا في طبق حزننا.. لا يستطيعون ترك الذكرى دون عبث.
إفلاس التراكيب وحلب التراث الشعبي
أعتقد أن ثالث لحظات كراهيتي لهم كانت عندما حاولوا تقديم معالجة تعبث وتزني مع الأمثال الشعبية وحِكَم التكاتك التي قدمها في كل أغنية سمعتها في لحظة سيئة اضطررت فيها للركوب مع صديق في سيارته ويشغلها.
الأستاذ “كايروكي” غير قادر على التوقيع مع شاعر يكتب له شيئاً جيداً، فقرر حلب حِكَم التكاتك كلها، والتي على المستوى الفني بعيداً عن أي شيء عبارة عن فقر إبداعي مزرٍ.. توّج هذه المرحلة طبعاً بثنائيات صنعها مع المغنين الشعبيين مباشرة.
فأنت يجب أن تنبهر بـ “جينا الدنيا في لفة وماشيين في لفة”.. من أجل أن “لفة” و”لفة” بينهما جناس تام (وطبعاً لا يوجد جناس ولا شيء، هي نفس الكلمة بنفس المعنى).
وأن “النسيان بييجي مع الإنسان”.
و”أن الغالي رخيص والرخيص غالي” لأن “السكة شمال”.. وطبعاً لا يوجد أغنية تصلح أن تكون شعاراً للحزب الماركسي مثل “السكة شمال”، فقرر أن يقدم عبثاً في اللحن وتصبح الأغنية “السكة شمال.. واليمين”، وأنت تحتاج لسماع باقي الأغنية لتعرف اليمين ما به وتضطر ألا تضعه في...
كل ما أورثتني إياه هذه الأغاني هو أنه إنسان مأزوم بكونه يحتاج طوال الوقت وطوال الوقت أن يكون أصيلاً (authentic) وهو غير قادر على أن يكون أصيلاً مع واقع الناس الاجتماعي والاقتصادي دون رموز وشفرات.. وعندهم فقر إبداعي مزرٍ يجعله لا يعرف كيف يخلق هذه الرموز في الألحان والكلمات.. فيستعين بقاموس شعبي موجود مسبقاً -وهذا شيء أيضاً فعله حمزة نمرة لأنها أصبحت نوعاً كاملاً من القبح على بعضه-.
هوية مستعارة ومولد الراب سين المصري
بعدها..
تتعرف شيئاً فشيئاً على الأستاذ أمير عيد.
فتى حي المعادي الذي يصر على إشعارنا بأنه من حي عين شمس وهو من المعادي، ولون بشرته ليس له احتمال ثالث.. إما أنه طفل غض ضعيف من المعادي أو أنه مصاص دماء في فيلم “تويلايت”.
وطوال الوقت يقدم الثقالة والابتذال (الكرينج) في زجاجات لأنه يجب أن يكون طوال الوقت مائعاً وجدعاً في نفس الوقت.. الميوعة تنتمي لكوكب في شمال القاهرة والجيزة حيث “زايد” و”التجمع”.. والجدعنة تنتمي لكوكب آخر في جنوبهما.. لكن يجب على الأستاذ أمير عيد أن يقدم لك الاثنين غصباً.. ويجب أن تقتنع لأنك مع الوقت ستجد الناس كلهم يشربون من نهر الجنون وأقرب شخص لك يقول إنك أنت من لا تفهمه.
وهذه طبعاً ستكون الحالة المثالية حول سنة 2018 و2019 و2020 التي تشهد صعود الشخاخ السمعي الذي اسمه “مشهد الراب المصري”.. والذي كله عبارة عن مجموعة من أمير عيد ولكن بأشكال مختلفة.. يجمعهم كلهم فقر اللحن وفقر الكلمات.. مع انبهار الأطفال الصغار بهذا القبح.
تضخيم الظاهرة والوقوع في الوهم
أنا في كل ما سبق معزول عن ظاهرة أمير عيد وأحاول تجنبها وبالفعل لا أستطيع.
لكن طبعاً ذروة (إكليبس) هذه الظاهرة هو الفيديو الذي اسمه “سوبر نوفا”.. الذي اضطررت فعلاً للذهاب ومشاهدته لأني ألاحظ أن هناك من اكتشف القنبلة الذرية وأنا لا أنتبه؛ فالانفعالات المبالغ فيها وإسباغ أوصاف المجد على “كايروكي” جعلتني أشعر أنه صلاح الدين الأيوبي.
تجلي الأصالة: أمين الديب وبلاغة الفلاح
إلى أأنننننن..
اصطدمت بفيديو شديد اللطف.. شديد الجمال.. شديد كل ما هو نقيض الحالة الكايروكية الأمير-عيدية على بساطته وقلة بهرجته.
لأنه لا يحتاج أن يتصنع وهو يجعلك تشعر أنه أصيل (لا يصح أن أقول كلمة authentic عليه).
فيديو جاءني في الذكريات بمناسبة ذكرى وفاة شاعر العامية الحاج الفلاح أمين الديب وهو يلقي قصيدته شديدة البلاغة شديدة الحكمة شديدة الاحتكاك بواقع الناس الاجتماعي.. ((((والسياسي)))).. التي تتماهى مع الواقع وتتكلم بلسانه، لا تستغله ولا تقفز عليه لتصنع صدارة (تريند) على حسابه.
قصيدة (حلمت إني مت).
قصيدة تحكي عن وفاة فلاح ببساطة.. ولكن ببلاغة.
عن حزن أقاربه.. ونفاق الناس الذين هم على خلاف معه.
ويصف الاثنين بألفاظ لا تخرج إلا من فلاح حضر هذه المواقف ألف مرة.. مثل مثلاً أن الزوجة عندما تبكي على زوجها لا تدعو له بالرحمة أو تمدحه بل تقول “الله يسامحك”.. تصرف فلاحي بليغ جداً يجمع بين الحزن والحب والألم والشعور بالظلم أحياناً الذي لا يخلو منه بيت فلاحي إلا ما رحم ربي.. ولكن كيف التقط أمين الديب هذا ووضعه في القصيدة؟ لأنه فلاح ببساطة (وانظر عندما نتحدث عن الأصالة بحق وليس المعلبة في أشرطة كيف تكون كلمة فلاح مدحاً).
وبعدها.. تتحول القصيدة للتحدث عما يراه في القبر.
وأيضاً ببساطة وفصاحة الفلاح من غير أي محاولات لإرهاب الناس بالطريقة النفسية للسلفيين.. القصيدة تحكي عن أنه كان إنساناً صالحاً وعمله صالح والملائكة تقول له ذلك ويَرى مقعده من الجنة.. استبشار فلاحي بسيط.
وفجأة.. يرى قصراً في الجنة.. يسأل لمن هذا القصر؟
يقولون له.. (بشكل مفاجئ جداً يكسب القصيدة حبكة فنية عبقرية جداً).. إنه لشهيد.
من الشهيد؟
محمود الذي فجّر سور نتانيا.. يقصد الشهيد محمود أحمد مرمش المنتمي لكتائب القسام الذي نفّذ عملية استشهادية في 2001.
فجأة.. تجد نفسك تنتقل من قرية عم أمين الديب البعيدة إلى قلب القضية.. قلبها بحق.. ليست أغاني المخنثين عن فلسطين التي صنعوها بعد 7 أكتوبر.
وشهداء الانتفاضة.. بجانبهم شهداء حماس..
أما قواد المقاومة.. فالقصور لؤلؤ ومَاس.
الشهادة والمواجهة المباشرة مع النص
أنا أحاول تذكيرك إن انقطع نفَسك (في حال أنك ما زلت تقرأ المنشور أصلاً) أننا نحكي عن حوار متخيل بين الشاعر في قبره مع الملائكة.
الميت يقول بلهفة:
قلت نفسي أكون شهيد
أو خلاص الوقت فات
كان يجوز قبل الممات
لو تموت من أجل دينك تبقى زيه ..
لو تموت من أجل أرضك تبقى زيه ..
لو تموت من أجل عرضك تبقى زيه ..
قلت آااااااااااااااااااااااه .. كنت نفسي أكون شهيد
فَيرد عليه الملاك:
رد قالي حد حاشك؟
كنت فين؟
لما اليهود
قيدوكم بالقيود
عشموكم بالوعود
من سنين
كنت فين؟
كنت فين وانت شايف إن أخوك مطرود شريد؟
كنت فين والقدس بتضيع من إيديكم؟
ليه مثرتش؟ وارتضيت عيشة العبيد؟
كنت خايف؟
فيحكي الفلاح عن خوفه.. وكيف علموه أن يخاف (وطبعاً هنا أنت لا تعرف أو ستتظاهر بأنك لا تعرف من الذي علمه كيف يخاف.. اليهود أم الـــــ)؟
بعدها..
لن أكمل.. أكملوا القصيدة أنتم.. لأن ما زال فيها مفاجأة.
أنا المفروض أكتب مقالاً.. ولكنه تحول لسرد لقصيدة أمين الديب.
القصيدة الأصيلة.
المعبرة عنا فعلاً.. ليست التي تدعي التعبير منا.
اكتشفت أني أكره “كايروكي”.. لحظة ما اكتشفت أمين الديب..
فليحيَ كل أمين ديب من تربته،
وليمت كل كايروكي.في استوديوهاته






الله يرحم عم أمين...
استغربت انه يتحط في سياق واحد مع أمير عيد، يمكن كان الرابط استخدام التعابير الحياتية اليومية.
بس شتان بين واخد أصيل وواحد بيلزق
كفاية أغنية مطلوب دكر واغنية الديناصور، رص الفاظ وخلاص