الغزل هو ديوان العرب الأكثر رقة وإمتاعًا، وقد جرت عادة الشعراء أن يستهلوا قصائدهم به، وأن يكنُّوا محبوباتهم فيه..
وكانت “أم عمرو” من أشهر الكُنى وأكثرها ألفة في البيئة العربية، فاستخدمت رمزًا للمحبوبة التى تتمنع وترحل وتجفو، والمحبوبة الرقيقة التي يُتغزل في جمالها وعذوبتها كذلك، وإن لم تكن كنيتها حقيقة.
يا أم عمرو جزاكِ الله مغفرةً..
ردي عليَّ فؤادي كالذي كانا!
جرير.
أليس الليل يجمع أم عمرو
وإيانا فذاك بنا تداني..
بلى وترى الهلال كما أراه
ويعلوها النهار كما علاني!
معاوية العكلي.
“بحبك بحبك
بحبك بحبك بحبك بحبك يا أم عمرو
بحبك ونفسي جوزك يسيبني أحبك، أو يطنش، أو أو أو.. أو يلعب مع عمرو تحت.”
مشهد من فيلم ابن عز.
أتوقف دائمًا عند مذاهب الشعراء في الحب، كيف رأوا محبوباتهم، وكيف وصفوا جمالهن، وكيف وجدوا محبتهم في قلوبهم!
فمنهم من أحب حتى ذاب قلبه وجدًا، ولم ينل وصال حبيبه ولم يهنأ به ساعة من الدنيا..
ومنهم من فقد عقله تهيامًا بمحبوبه، ومنهم ذاق نعيم الوصل ونال من الدنيا فوق ما تمنى.
الجامع بين هؤلاء على اختلاف قصصهم في عيني هو كيف أجادوا وأحسنوا الوصف والبيان، فعشت مع كل واحد منهم نعيم حبه وعذاب، وكما غنت الست، وكما نعرف جميعًا أنه “أمرّ عذاب.. وأحلى عذاب!”
فسواء كانت محبوبة الشاعر ليلى أو عزة أو نُعم أو أم عمرو حقيقة أو مجازًا، فأنا أتألم وألتاع وأسعد وأضجر معه في موجات بيانه.
تائية كُثيِّر عزة..
خليليَّ هذا ربع عزة فاعقلا
قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلتِ
ومُسَّا ترابًا كان قد مس جلدها
وبيتا وظلت حيث باتت وظلتِ!
قصيدة كُثير هذي هي أحب وأقرب قصائد الشعر إلى قلبي، أحفظها منذ سنوات، وأرددها في مواطن مختلفة، وودت لو استعرت لها اسم “المؤنسة” من قصيدة مجنون ليلى؛ لأن هذا عين ما تفعله معى، تؤنسني.
منذ سنوات عقدت صديقة غالية مجلسًا للأدب واللغة في بيتها الحبيب رد الله أصحابه فكانت هذه القصيدة من اختياراتنا للشرح والتذوق، وحفظ بعض الكلام العالي من أشعار العرب..
هناك، حيث تجلس الفتيات والنساء وحولهن الأطفال، والبيت نظيف عامر بالكتب ورائحة الطعام البديع، طعام في فصاحة وبيان قصيدتنا، لوحة مثالية من تناغم الأدوار في هذه الدنيا.
أتذكر نقلًا (لم أحققه) لقسيمة الأسلمية عندما رأت عزة كُثير في جمع من النسوة قالت: “امرأة حُلوة حميراء نظيفة. لكنها في نسوة لهن أفضال عليها في الجمال والخُلق، حتى تحدثت، فإذا هي أبرع الناس وأحلاهم حديثًا، فما فارقناها إلا ولها علينا الفضل، وما نرى في الدنيا امرأة تفوقها جمالًا وحسنًا!”
سبحان الله! حتى الجمال الحسي يلمع ويبزغ لو كسا امرأة مبينة حسنة المنطق حُلوة اللسان.
يقول كُثير في قصيدته:
وحلت بأعلى شاهقٍ من فؤاده
فلا القلب يسلاها ولا النفس ملتِ
فواعجبا للقلب كيف اعترافه
وللنفس لما وُطنت فاطمأنتِ!
“في الدنيا مفيش أبدًا أبدًا
أحلى من الحب..
نتعب؟ نغلب؟ نشتكي منه لكن بنحب.”
وأهل الحب صحيح مساكين.
كنت أرى بوضوح في خاطر كُثير صراع بين كبريائه واعتداده بنفسه وحبه! تأسيه على ذله في المحبة وعدم النوال، وألمه لأن هذا أمر قلبه، وهذه عزة التي أسرت روحه، ما باليد حيلة، سحابة ممحل رجاها، فلما جاوزته استهلتِ!
أستطيع أن أكمل تدوينتي وأنا أسرد الأبيات وأقف معها ومعانيها، وما تفعله في نفسي..
وهي (التدوينة) دعوة صريحة لقراءة القصيدة مع بعض شروحها وتأمل معانيها.
لكن لذكري القصيدة هذه المرة مناسبة أخرى، فعندما مر أمامي المشهد السابق من فيلم “ابن عز” وحبيبة الشاعر (آسفة) أم عمرو التي كان يحاول كتابة قصيدة في حبه لها ورغبته أن يتركه زوجها يحبها!فعجز عن إكمال البيت حتى ساعده علاء ولي الدين بجملته التي أضفت نوع كوميديا على المشهد: أو يلعب مع عمرو تحت.
قلت في نفسي: عجيب! تذكرت بيت كُثير:
يكلفها الخنزير شتمي وما بها
هواني ولكن للمليك استذلت!
ومناسبة البيت:
يروى أنه قابل عزة وزوجها في موسم الحج وكلمته لغرض، وكان لا تزال تقع من نفسه موقعًا، فعرف زوجها، وطلب منها أن تعود إليها وتشتمته، ففعلت.
فصاحة وبيان كُثير وقصيدته الماتعة أنستنا وقتها أنه يغار من زوج عزة، ويكتب الأشعار في امرأة غيره، يلتمس لها عذرًا في شتمه كونها “للمليك استذلت!” كثر الله خيره. فرأيناه المحب الملتاع الذي لم ينل وصلًا وتأسينا له، ولم نستقبح فعله، فمحط نظرنا كان الكلمة الفصيحة العالية، لا الأخبار خلفها، ولا مدى أخلاقيتها.
وبت أفكر في أثر الكلمة، كيف يقال الكلام، وما الذي يلفت الناس إليه، وكيف تقول ولا تقول! وكيف لا تقول فيفهم الناس ما تود قوله.. وكبرت الموضوع بصراحة.
المهم..
فإن سأل الواشون فيما صرمتها
فقل نفس حر سُليت فتسلتِ يا كُثير، ونقول الشعر لأم عمرو وخلاص، أو نطنش، أو نلعب مع عمرو تحت.
توصيات:
القصيدة بصوت فالح القضاع.





ما شاء الله تبارك الله....المقال بليغ وجميل وملامس للقلب.