الجميع عند سؤالهم عن لاعبهم الأفضل يجيب “في كتابي ميسي” أو “في قاموسي رونالدو” بما يعني أن لكلٍ منا قاموسه الكروي الخاص به والفريد والذي لا يشبه الخاص بغيره. فهل يعتمد هذا القاموس على الأداء الكروي فقط؟ تجد البعض يصفون لاعبًا متواضع الإمكانيات بأنه لاعب جيد، مستندين إلى أنه لاعب محترم؛ فهل يمكن اجتذاب أي لاعب ذي أخلاق جيدة ووصفه بلاعب جيد لأنه لاعب محترم؟ وهل عند الاختيار بين ميسي ورونالدو نعتمد على الكرة فقط أم القصة الحياتية لكل من اللاعبين وطباعهما الشخصية؟
دعني أحدثك قليلًا عن كريستيانو رونالدو الشاب الذي عاش في بيت فقير وظروف صعبة حتى من قبل ميلاده، للدرجة التي فكرت فيها أمه في التخلص من الحمل بسبب الظروف الاقتصادية، حيث كانت تملك بالفعل ثلاثة أبناء قبل كريستيانو الذي لم يكن قد أتى بعد.
وُلد كريستيانو في بيت فقير وأب يعمل كمسؤول عن ملابس فريق كرة قدم للهواة حيث بدأ كريستيانو لعب الكرة في سن الحادية عشرة، وأم تعمل كخادمة في المنازل لأن والده كان يعاني من إدمان الكحول.
لم يكن كريستيانو طفلاً عادياً، فمثل أطفال كثيرين في الكثير من بلدان هذا العالم لم يكن يمتلك ألعاباً أو وسائل ترفيه، وكل ما كان يملكه هو لعب الكرة في الشارع حافياً قبل انضمامه لنادي الهواة.
ولأنه لا يمكن تجاهل لاعب جيد، سمع كشاف في نادي ناسيونال عن لاعب يُدعى كريستيانو يراوغ الجميع ولا يخشى طلب الكرة وأيضاً يبكي عندما يخسر فقرر ضمه للنادي. وأمضى كريستيانو فترة جيدة في النادي، وكان النادي عليه ديون لنادي سبورتنج لشبونة فقرروا بيع لاعبهم الأفضل في الأكاديمية كريستيانو.
حصل كريستيانو على تجربة أداء لمدة 3 أيام في نادي سبورتنج لشبونة أبهر فيها الجميع حتى مع اللعب وهو في الثانية عشرة أمام لاعبين أكبر، كان يطلب الكرة دون خوف ويراوغ الجميع ويلعب بكلتا القدمين بنفس الجودة فقرروا التوقيع معه.
انتقل كريستيانو لمدينة جديدة قادماً من خلفية اجتماعية فقيرة، وتحدث أحد مسؤولي سبورتنج لشبونة أنه كان يبكي في الأيام الأولى لدرجة أنه كان يفكر في العودة للمنزل لكنه استمر.
في أكاديمية سبورتنج لشبونة كان رونالدو يتعرض للتنمر بسبب لهجته، كما كان يُسمى بالبكاء أو “العيوطة” لأنه كان يبكي عندما يخسر مباراة أو لا يمرر له أحد زملاء فريقه. كما أنه كان يعاني في المدرسة لدرجة تشاجر مع أحد المدرسين لأنه شعر بأنه تتم إهانته.
في سن الخامسة عشرة خضع كريستيانو لجراحة في قلبه بسبب مشكلة صحية كادت توقفه عن ممارسة كرة القدم. كانت تلك المشكلة هي تسارع في ضربات القلب. وفي سن السادسة عشرة انضم كريستيانو لمانشستر يونايتد بعد أن أمضى عدة مباريات مع فريق سبورتنج لشبونة الأول قدم فيها موهبته للعالم.
هنا نجد طفلاً وُلد في بيئة فقيرة لأب وأم يعملان وظائف متواضعة لدرجة أن أمه اضطرت للعمل لمدة 7 أيام كخادمة لشراء أول حذاء كرة قدم له.
هل يمكننا تصور هذا الطفل كيف يرى العالم ومعاناته الشخصية والتنمر عليه بسبب لكنته والانتقال من بيئة فقيرة إلى مدينة كبيرة في سن صغير وقد ترك المدرسة أيضاً، وأن هذه ربما تكون فرصته للحصول على المال لرعاية نفسه وعائلته؟
لا شك أن الفقر يغير وجهة نظر المرء تجاه العالم. في عالم رأسمالي أنت فقير لأنك لا تعمل كفاية، أنت فقير لأنك لست موهوباً، في حين يتم تجاوز تأثير توزيع الثروات والظروف الشخصية التي يتعرض لها كل شخص ولكن هذا لوقت آخر، بينما سؤالنا هو: كيف يمكن الفقر هو السبب وراء جعل شخص ربما أشهر رياضي على وجه الأرض لا يريد الاعتزال ولا يكتفي من تحقيق الإنجازات؟
وربما هذا التعطش الذي نراه ليس مجرد رغبة في الفوز، بل هو صدى لطفولة وقصة شخصية لكلا اللاعبين:
في ورقة بحثية نشرها الدكتور باري روبرتس -الحاصل على الدكتوراه في علم النفس من جامعة ريدينج بالمملكة المتحدة- يتحدث أن التواجد في أسفل التسلسل الهرمي الاجتماعي (بسبب الفقر والاضطهاد من الأقران معاً) يلقن الطفل درساً قاسياً مفاده أن: القوة والموارد هما الشيئان الوحيدان اللذان يفرضان الاحترام.
وبالتالي الطفل الذي يتعرض لظروف اقتصادية صعبة وربما تنمر من الآخرين ربما يحاول التفوق دائماً والسعي للكمال لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي لا يمكن لأحد التقليل منه بها.
في ورقة بحثية أخرى نشرها الدكتور هارولد دادومو -الحاصل على دكتوراه في علم النفس- عن العلاج بالمخططات (Schema Therapy) -وهو فرع من فروع علم النفس يدرس كيف تشكل بيئات طفولتنا رؤيتنا للعالم كبالغين- غالباً ما يطور الأطفال الذين يتعرضون للتنمر نمط “الطفل الضعيف” (Vulnerable Child) وهذا هو الجزء من النفس الذي يشعر بقلة الحيلة، والفقر، والرفض التام من الجميع.
وبدلاً من الاستسلام لهذا الشعور، يطور بعض الأطفال أسلوب التكيف المتمثل في “التعويض المفرط” (Over-compensation). ولضمان عدم تعرضهم للإذلال أو الشعور بالضآلة مرة أخرى أبداً، فإنهم يتصرفون بطريقة معاكسة تماماً لما يشعرون به في داخلهم. إنهم يطورون دافعاً لا يهدأ لتحقيق القوة والمكانة والسيطرة. وتنافسيتهم لا تنبع من حب صحي للعبة أو لموضوع ما، بل من غريزة البقاء: إذا كنت في القمة، فلن يتمكن أحد من إيذائي.
وبالتالي هؤلاء الأطفال يريدون دائماً إثبات أنهم الأفضل حتى لو لم يعودوا بحاجة لإثبات ذلك لأن ذلك الطفل الذي يتعرض للتنمر والرفض ويخشى دائماً العودة للحالة التي عاشها في سنوات عمره في فقر أو صراع عائلي أو حرب، في حين لم ينبغي أن يفكر سوى في اللعب.
وفي عالم يعاني كل شخص على الأقل من عشرة أشخاص من الفقر الشديد خصوصاً في مناطق تُنهب فيها الثروات منذ قرون مثل دول أفريقيا ومناطق أخرى تعاني من الحروب والصراعات ويحارب البعض لأجل شربة ماء أو نوم هادئ بدون سماع صوت دوي القصف والطائرات أو خطر الموت، يتصاعد الحب لكريستيانو لا كلاعب فقط بل كإنسان يشبه الكثير ممن صعدوا من القاع ووصلوا للمجد، وأنهم أفضل ربما من آخرين توفر لهم كل شيء.
كريستيانو دائماً كان مثالاً لبناء شيء من أسفل الصفر والحصول على اعتراف العالم. يمكننا النظر لكريستيانو رونالدو اللاعب الذي حقق كل شيء في اللعبة ويبكي عند تحقيقه لقب دوري في سن الأربعين على أنه الطفل الذي ما زال يرى أن هذا العالم لا يمكن كسب الاحترام وتجنب السخرية والاحتياج إلا بالفوز والاستمرار في الفوز، ولو حصلت على رضا الجميع ربما لن يرضى الطفل لأنه هذه هي المرآة التي يرى بها العالم ولكي يقتنع عليه أن يغير المرآة.
إن عودة كريستيانو للمرأة التي كانت تعطيه الطعام مجاناً -حتى وإن لم تكن القصة حقيقة- هو أكبر دليل على أنه لم ينس من ساعده ونظر إليه بحب قبل أن يحقق أي شيء، من اعتبر أن مجرد وجوده كإنسان رائع بالفعل وأنه لا يحتاج أن يصبح الأفضل في العالم كي ينال احترام الجميع.
على صعيد شخصي أجد ميسي لاعب كرة أفضل والأفضل في التاريخ كروياً لكني أحب رونالدو أكثر لأنه يشبه الكثيرين ممن أراهم يومياً، أشخاصاً لا يملكون سوى بناء أنفسهم من الصفر والعمل أكثر من الآخرين لأن العالم علمهم أنه لا شيء مجاني، حتى احترام وحب الآخرين.





