دعوني أحدثكم عن شيء من طفولتي…
كوّنت أنا وتوأمتي أسرتين متخيلتين.. فصارت كل منا أمًا لكثير من البنين والبنات…
بدأت هذه اللعبة عندما كنا في الثالثة أو الرابعة… كنا صغارا جدا إلى درجة أنني لا أذكر متى بدأتها بالضبط، واستمرت معنا إلى أن تجاوزنا العاشرة بقليل.
بالنسبة لي، كانت أكثر شخصية بارزة في بناتي هي شخصية “إسراء”
كانت إسراء هذه فتاة مشاغبة أو بتعبير آخر “شريرة الحدوتة” كما أحب أن أسميها الآن. كانت تتفنن في افتعال المشكلات، فقد تفسد طعاما أعددته أو تضرب أختها الصغيرة أو تسهر مع صديقتها إلى وقت متأخر مثلا.
وكانت إسراء عاقَّةً أبدا، فلم تفكر يوما في استرضائي أو فعل ما يسرني.
وبينما كنت أعاملها بالقسوة والحزم، كنت أتحول حين أعامل أحد إخوتها إلى أم في غاية الرقة والحنان!
ولم أفكر أبدا في كيف تراني “إسراء” نفسها،، فبالطبع كنت أما شريرة في حكاية هي بطلتها!
وفي هذه اللعبة كنا أحيانا نتقمص دور المعلمات في الفصل… وفي أحيان كثيرة تكون هناك مجموعة من الطلاب المشاغبين أيضا!
أذكر مرة أن هؤلاء الطلاب بالغوا في إغاظتي، فحدث حريق في المدرسة أدى إلى وفاتهم جميعا.
أذكر أنني استكتبت أختي يومها رسالة ورقية أرسلها إلى أهل إحدى المتوفيات، وكان هذا نصها:
“ابنتك ماتت في حريقة
شكرا لساعي البريد.”
هكذا بالنص… ربما لأنني كنت أعتقد أن الأشرار يجب أن ينتهوا من الوجود فورا.
بالطبع لم أكن أنا من تسبب في هذا الحريق في اللعبة، فلم أكن شريرة إلى هذا الحد!
الجامع بين هذين الموقفين الهزليين أنني كنت أرى الناس جميعا مقسمين إلى “طيبين” و”شريرين.”
وَلَسْتَ بِمُسْتَبْقٍ أَخاً لا تَلُمُّهُ ... عَلَى شَعَثٍ، أَيُّ الرِّجَالِ الْمُهَذَّبُ؟
كبرت.. وكبرت معي هذه النظرة قليلا…
عندما بدأت أستمع إلى الرقائق وقصص الأنبياء في أواخر المرحلة الابتدائية وبداية الإعدادية، كان أهلي يحبون هذا مني ويسرون به كثيرا.
وكانوا ينتقون من سأسمع من المشايخ -ولو بشكل غير مباشر-، فكان أن انقسم المشايخ عندي أيضا إلى فريقين… فريق نسمعه ونأخذ عنه، وآخر غير ذلك.
ربما لا نسب المخالفين أو ننشغل بهم كثيرا، لكننا نعلم في دواخلنا أننا لا يجب أن نستمع إليهم.
كبرت وتوقفت قليلا عن الاستماع إلى هذه المحاضرات ثم عدت إليها في الجامعة، فكان أن هداني الله إلى دورات م. أيمن عبد الرحيم -فك الله كربنا فيه- والشيخ الكريم أحمد عبد المنعم بارك الله فيه وغيرهما.
أذكر أنني سمعت مقطعا للمهندس أيمن يتكلم فيه عن “والت ديزني” وما فعلته في عقولنا. كانت أفلام ديزني التي تربينا عليها مثل “الأسد الملك” أو “سيمبا” كما نحب أن نسميه، وسندريلا وسنو وايت وغيرها تقسم الناس التقسيمة ذاتها.
وأيضا أفلام الكارتون الإسلامية التي كانت تصور كفار قريش -مثلا- بأشكال قبيحة وأصوات مضحكة.
ربما فهمت الآن لِمَ لم تحسن إسراء أبدا، ولِمَ احترق الأطفال المشاغبون جميعا في نهاية القصة.
استمعت إلى كثير من محاضرات الشيخ أنس السلطان -فرج الله عنه- أيضا، وتأثرت كثيرا بالقاعدة التي لا يكاد أحد من طلابه يجهلها لكثرة ما يحب ذكرها وتكرارها:
“ليس من أحسن في شيء يحسن في كل شيء، ولا من أساء في شيء يسيء في كل شيء، ولكن الإنصاف عزيز!”
تأثرت بهذه القاعدة كثيرا، حتى إنني ذكرت له عميق تأثري بها في رسالتي التي كتبتها إليه في الاستمارة التي وضعتها زوجته -بارك الله فيها- في المرة الأخيرة.
هي قاعدة سهلة اللفظ صعبة التطبيق؛ لأننا نميل دائما إلى قولبة الناس أو الحكم عليهم بالحسن أو السوء دون أن نتكبد عناء النظر في التفاصيل.
لم يذكروا لنا شيئا عن هذه القاعدة، ولم يخبرونا أن الكفار قد يظهرون لك الحميمية والصداقة بينما يضمرون لك العداوة، ولا أن كفار قريش كان فيهم سادة ووجهاء وخطباء -على كفرهم- وأنهم لم يكونوا بهذه الصورة السخيفة التي صورها لنا الكارتون الإسلامي.
أتمنى أن يكون الطوفان والحرب القائمة الآن قد أسهما في هدم هذه الصورة المشوهة داخل عقولنا وقلوبنا!
الآن حاولت إطفاء “مصباح المعيارية” قليلا؛ لأننا قد أصبحنا في عصر سيجن فيه المرء إذا ألزم نفسه بالحكم على كل ما يمر أمامه بالصواب أو الخطأ
ليس حديثي عن الأمور المحكمة الواضحة بالطبع، لكن عن المتشابهات، وما أكثرها في عصرنا!
صرت أقرأ القصائد الجياد وأطرب لها وإن اختلفت مع مؤلفها قليلا أو كثيرا، وأتلمس مواطن الجمال في أقبح المواقف وأصعبها.



