في هذا الوقت تقريبا منذ عام، كُسر ذراع زوجي العزيز كسرًا صعبًا، لا أعرف إن كانت "صعبًا" كلمة مناسبة لوصف الكسر أو لا، لكنها بالتأكيد تصلح لوصف المشهد..
استيقظت من نومي فزعة على صوت سقطة مدوية في بيتنا الجديد الذي سكنناه قبل أيام، بيت بلا سجاد أو ستائر، بأثاث قليل، في دولة لا أعرفها ولا أعرف فيها من الناس إلا قليلًا..
أتحسس ابني جواري فلا أجده فيرتجف قلبي، أجري إلى صالة البيت فأجد زوجي يرتجف أرضًا من الألم والأرض غارقة في المياه، وابني مبتل الثياب كلها يعلو الخوف وجهه!
يحاول عقلي فهم المشهد، آخر شيء في ذاكرتي أن ابني كان على ذراعي يحاول النوم، فقد أثر السفر على ساعته البيولوجية تأثيرًا نال منا جميعًا، وزوجي يستعد للذهاب لعمله.. وغفوت من التعب لأصحو على هذا المشهد.
عندما شاهدت زوجي يرتجف مع الماء ظننت أنها الكهرباء، لكن سرعان ما أدركت أن المياه سببها الصنابير المثبتة في الحائط بلا غطاء مكان غسالة الأطباق غير الموجودة (كانت هده حجة بالغة الإقناع لشراء الغسالة مستقبلًا) وأن ابني تفلت من حضني ولم أشعر به، فأغرق البيت، وأسرع أبوه ليعالج الأمر فحدث ما حدث.
ظل زوجي يكرر: "إيمان أنا كويس اهدي متخافيش" ..
وأنا أقول بصوت مرتفع إيه اللي حصل بطريقة أقرب للهستيريا حتى هدأت وحاولت مساعدته وهاتفت صديقه، وحملت ابني بكل غضب الدنيا في صدري، وسؤال: هل هذا جزاء غفوتي؟!
هل الأمومة شيء عظيم الخطر؟ وإلى هذا الحد؟
قضينا أول ثلاثة أيام من رمضان في المشفى؛ فالكسر احتاج إلى جراحة وعلاج طويل..
تجنبت البكاء طويلًا مذ أتيت إلى هذه البلدة، فأنا من اليوم الأول أفتقد بيتي، سريري وأغطيتي الوثيرة، مطبخي وأدواته وقدوره، ألعاب ابني التي لم أستطع حملها، مقعدنا المفضل، أن أذهب إلى أمي أو حماتي بابني، يحملونه عني وأنام بلا قلق، أفتقد مكتب زوجي الذي ظل يعمل وهو جالس عليه أمامي لمدة ٤ سنوات!
أخرج من المطبخ أشاركه شيئًا مر في بالي وأعاود طبخ الغداء، وأقنعه بشيء من الدلال أن يؤجل عمل اليوم إلى الغد حتى نشاهد حلقة إضافية من المسلسل الذي نتابعه وقت العشاء..
وهذا اليوم، كنت أواجه حقيقة أننا في "غربة" لأول مرة، كنت غارقة في أفكار مثل: "البيت حيث نكون معًا" يا حبيبي، لكن هل سنكون معًا كما كنا في بيتنا؟ هل سيكون الأحباب في الجوار؟ هل سيعرف أبناؤنا أهلنا وأصحابنا وجيراننا القدامى؟ ومتى سننقل مكتبتنا الكبيرة؟ أم أننا سنتركها للغبار في بيتنا الحبيب؟
لكنني أفقت على جواب: "العافية الملك الخفي" عافية الأحباب.
حبست البكاء حتى عودتنا للبيت، حتى وقت أول طبخة ندعو إليها أصحابنا على الإفطار في رمضان نفسه، كانت "ورقة اللحمة" سيدة السفرة، مع الأرز المعمر كصنف مميز في بيتنا لا يذوقه أحد إلا ويقول كلامًا يجعلني أعدل ياقة قميصي فخرًا.. لكن الفرن الكهربائي هذا جديد علي، لا أعرف له، كيف أستخدمه وما الوقت الذي يحتاجه اللحم لينضج نضجًا مثاليًا! ارتبكت، جفت السوائل في قطعة اللحم الشهية، وقفت أمام الفرن أبكي بكاء شديدًا حتى أن قدمي لم تحملاني فجلست..
يسألني زوجي ما بي، فأقول بصوت يغالبه البكاء: اللحمة نشفت! يجيب: فداك ولا يهمك، فأقول: ليه لسه هتعلم كل حاجة من الأول؟ أنا بقالي أربع سنين بعمل الأكل ده في أحسن شكل، أريد أن نعود إلى البيت.
أنا إنسان بطيء التأقلم. أتمهل فأختار، ثم أرجو أن أعيش دهرًا مع اختياراتي، وهذا ما تضن الحياة به علي وهو عين بلائي، والذي أرجو ألا ينال أحبتي وخاصتي من الناس.
أحببت البيت (بيتنا) والاستقرار، فكان جل رزقنا في السفر.
وأحببت الألفة بالناس ومعهم، فكان البدء من جديد شعارًا لعلاقاتي في كل رحلة، والله أعلم بما يصلح عباده.
بعد أن هدأت، حاولت معالجة ورقة اللحمة، أكلناها وأثنى عليها الأصحاب (مجاملة).
ثم أهداني زوجي درسًا غاليًا (يعلمني هذا الرجل عن الحياة بأكثر الطرق مرحًا وخفة)، قال: كُسر ذراعي وسأعيش باقي عمري بشريحة ومسمارين أهو بسبب هذا الصغير (في الظاهر) لكنني ما كنت لأعرف مدى حبي له وسماحة قلبي لأخطائه قبلها!
أنت طباخة ماهرة لأنك تجيدين الطبخ
لا لأن الأدوات التي تعينك فائقة، الألفة مهمة لكنها تنشأ مع الوقت، وسر الصنعة معك أينما ذهبت.
في أول يوم من رمضان هذا العام طبخت ورقة لحمة، وطاجن من الأرز المعمر، في نفس الفرن الكهربائي الأول، وكانا من أشهى وألذ ما يكون.. ابتسمت فور تذوق الطعام، وتذكرت أختها التي أخرجت دموعي الحبيسة منذ عام، وتأكدت أن معي "سر الصنعة" كما قال أبو علي، فهدأ بالي.
واليوم، بعد ساعات قليلة، ننتقل إلى بيت جديد، ونترك عامًا من الذكريات والطبخات الشهية، والضحكات العالية، كذا نوبات البكاء والضجر وافتقاد البيت والأهل، بيت لا أملك فيه "فرن كهربائي" حتى الآن، لكن معي رجلًا جادت الدنيا فكان حظي منها، وولدين تزيل ابتسامتها كدر الدنيا، ونفسًا أخف وأرحب، وبالتأكيد سر الصنعة، فلا أخاف غربة، ولا تبكيني ورقة لحمة.




عندما أبكتك ورقة لحمة وعندما أبكاني نص حنون قرأته وأنا بظبط المنبه عشان أنام وأصحى أحضر السحور..
جميل يا إيمان لأبعد وصف
الله يسعدك دايمًا ويخليلك زوجك والطفلين ويبارك في العائلة الجميلة دي ويحسن ما بين ايدك دايمًا❤️❤️
يدخل الجنة أقوام أفئدتهم كأفئدة الطير
الله يحفظك ويحفظ الأسرة الكريمة