أزمة مقتبل العمر
الهم والغم والهئ والمئ والحيكي والميكي
أتذكر جيدًا أنني كنت أتجول في شوارع الدمام، مسقط رأسي وبلدي الثاني، على قدمي، واضعًا سماعتي في أذني. كان عمري حينها ثمانية عشر عامًا، أي في عام 2018. قلت في نفسي إنني سأصبح أنجح سيناريست وروائي وشاعر في سن صغيرة، وأخذت أرتب في رأسي كيف سأتعامل مع تلك الشهرة الجامحة بعد عرض أول فيلم لي، أو نجاح إحدى رواياتي. كنت أتخيل كيف ستستقبلني منى الشاذلي بالورود، وهل سأتقاضى أجرًا أم أتواضع معها. لم يكن ذلك غرورًا بقدر ما كان محبةً عميقة لما أفعله، وثقةً بجودته في تلك اللحظة.
أكتب هذا المقال الآن، وقد تخليتُ قسرًا عن نصف أحلامي. أخذتني الحياة إلى جزيرة لا أجد فيها جسرًا يخرجني منها. كل ليلة أجلس على طرف سريري في صمت لدقائق، ثم أقول لنفسي: «إنت فاكر نفسك الأبنودي يا مغفل»، وبعدها أستلقي مضطرًا، لأن غدًا ينتظرني عمل لم يكن يومًا ضمن أحلامي. أجني أموالًا لم تكن في قدر طموحي، لأبني مستقبلًا لست متأكدًا حتى من وجودي فيه.
ولدت قبل بداية الألفية الجديدة بثلاثة أشهر، ولا أعلم كيف مر كل ذلك الوقت. وإلى هذه اللحظة، لا أشعر بفرحة إنجاز واحدة مرة. أنا في صدارة قائمة الأشخاص الذين لا يكملون شيئًا. أفقد شغفي سريعًا، وأخاف من الفشل لأنني فشلت مرارًا. لا أطيق ذلك الشعور، وأخاف أن يتواجد داخلي ولو ليلة أخرى.
على سبيل المثال، يقترح عليَّ صديقي وأخي محمد وجدي أن أنشر روايتي هنا على أجزاء، لعل وعسى أن ترى النور. لكنني أتهرب كالجبان، خوفًا من الفشل الذي سيلحقني، ويلحق بتلك المدونة اللطيفة. فأنا معلق بين خوفين: خوف الفشل إذا حاولت، وإدراك أن عدم المحاولة في حد ذاته فشل.
ذلك الصبي الذي تنبأ له الجميع بالكثير، لم يفعل شيئًا حتى الآن. قاده خوفه من الفشل إلى ألا يكمل أي شيء بدأه.
ويحضرني الآن ما كتبته قبل أيام عن طفولتي، وكم كنتُ وغدًا مستبدًا في أحلامي.
(أنا لو سواق أوبر مش هاخد كل شوية يوتيرن كده )
اتأمل كل يوم حلقات مسلسلي الغير مكتمل وأطمئن على الشخصيات التي خلقتها لروايتي التي أكتبها وأمزقها منذ سنوات. والثقب الأسود الذي يُسمى كلية الهندسة، والثقب الأسود الخاص ببناء أسرة مع حبيبة عمري، والثقب الذي يشع سوادًا أني أود اقتناص نظرات الرضا من أهلي، ومحاولة تعويضهم عن ستة وعشرين عامًا من اللاشيء.
إن كنت تقرأ لي لأول مرة، فأنا من نوعية الناس التي لا تشعر باليأس حينما تقرأ لها أو تجلس معها. أنا دائمًا أؤمن بالتغيير، لكن إيماني ليس كافيًا. أنا لست كئيبًا بالمرة، ولن أعد لك الناس الذين ينصحونني بالتوجه إلى منصات الكوميديا أو التمثيل أو الستاند أب. لكنني هنا والآن، في هذا المقال، أود تصدير مشكلة «التيه» التي تعصف بمعظمنا. ما جعلني أعتاد الأمر أنني لست وحيدًا على تلك الجزيرة، بل بالعكس، نحن كُثر. نسابق العمر والشباب والصلع الوراثي والأزمات النفسية.
«ما أحسن من زفته إلا ميت غمر يعني»
وحينما بحثت عن حلول، وجدت الآتي:
• إنت هتصحى كل يوم تشحن شغفك بالباور بانك بتاع التنمية البشرية
• هتحتاج تشرب كوباية دوبامين كل ست ساعات
• كلمة ألم لو عكستها هيطلع لك كلمة أمل
• هنشرب ماتشا وأشواغندا مخلوطة بحبوب الشيا والبردقوش النيوزلندي مع بعض من لبن بقرة بتسمع أغاني أم كلثوم
عبث وكلام إنشائي لم يخلق داخلي سوى شعور زائد بالعته والتيه. وبعد كل نقطة من التي ذكرتها، لا أستطيع فعلها، فأقول في نفسي: «حتى دي فشلت فيها».
لم يجعلني شيء أتحامل على نفسي سوى كلام والدي.
قال لي والدي إن ذلك الربع قرن ما هو إلا البداية، وأن هذا الوقت هو الوقت الذي يحتاج فيه المرء إلى بناء الجسر في تلك الجزيرة المعزولة. وأنه قد انقضى وقت البحث عن الجسر، والآن حان وقت أن تلم شتاتك، وتستخدم كل الأدوات التي تجدها لبناء جسر يخرجك إلى أول طريق بلا يوتيرن في حياتك.
حينما تمعنت في كلامه، وجدت بعض تلك الأدوات:
أولًا: الابتعاد عن المقارنات.
نحن في عالم أصبح سريعًا جدًا، لا يلتقط المرء أنفاسه إلا وقد صدر تحديث جديد. كلما قارنت نفسك بآخرين وما وصلوا إليه، فإنك تخطئ في حق نفسك خطأ شنيعًا. لماذا تقارن ما وصلتَ إليه بما وصل إليه غيرك، رغم أنكما لا تسيران في نفس الطريق ولا بنفس الوسيلة؟
ثانيًا: الرضا والجود بالموجود، والسعي قدر المستطاع دون النظر إلى العواقب بشكل مبالغ فيه. لأن ذلك قد يمنعك من البدء أصلًا.
كم مرة استيقظت متأخرًا قبل امتحانك بنصف ساعة، فحزنت لمدة خمس دقائق، ثم قررت عدم الذهاب من الأساس؟ قررت عدم المحاولة خوفًا من الفشل. كم مرة أهدرت فرصك وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، بدلًا من أن تحاول إسعافها؟ في كل الأحوال، لا تنزعج، فقد قتلتها أكثر من مرة.
ثالثًا: وهذا الأهم: «لا تيأس من روح الله».
وأنزل حاجَتي في كل حال
إلى من تطمئن به القلوب
فَكَم لِلَّه من تَدبير أَمر
طوته عَن المشاهدة الغيوب
وَكَم في الغَيب مِن تَيسير عسر
وَمن تفريج نائبة تنوب
وَمالي غير باب اللَه باب
وَلا مولى سواه وَلا حَبيب
هذه في نظري أعظم الأدوات. ولا أخفيكم سرًا: «إحنا بقينا أهل».
أنا لا أجيد استخدامها، لكنني أجتهد مليًا في تطبيقها.
أتمنى أن نجد لنا طرق تليق بطموحاتنا وإن كانت صغيرة وان نجد داخلنا ما يجعلنا نهجر القلق والحزن وأن تزدهر ورود شبابنا التي ذبلت
محبكم





شكرا لمحمد وجدي إنه أداني قلم وقالي اكتب وشكرا لدكتور يحيى والشباب على ديلولو والله المرء كان بطل يعمل اي حاجه بيحبها
من وين لك الأسلوب 👏🏻👏🏻👏🏻