هو احنا ممكن ننسى فعلا؟
تمنيت لو امتلكت البلاغة التي تنتابني عندما أكون بين النوم والصحو. أفكاري في هذا الوقت تكون جذابة كأن شيطاني هو الذي يحدثني بها. فكرت في وقت ما لو أسحب هاتفي بسرعة وأسجل ما يمليه عليّ، أو أحتفظ بورقة وقلم على الوسادة حتى أصطاد الأفكار والألفاظ. عندما حاولت فعل ذلك مرة، وجدت أنني عندما أمسك القلم أو الهاتف لأدون، لا أجد شيئًا؛ فبمجرد أن أفتح عينيّ يتطاير كل شيء.هذا شيء يشبه الأحلام التي أصحو منها وأعصر دماغي حتى ألتقط ولو صورة واحدة منها، ولا أستطيع.
هكذا الحب، في خفته وثقله، إذا أردت الحديث عنه انعقد لساني، رغم أن نفسي غارقة، ولكنني أكتفي دائمًا بقول: “الحب من غير أمل أسمى معاني الحاجات يا يسرية” كأبلغ وصف للحب. اليوم أردت الحديث عنه وعن نسيانه وأشياء أخرى.
تنويه:
كنت أكتب هذا المقال وفي الخلفية يدندن كاظم الساهر: “أنسى مين؟”
فإذا مررت بقصة حب ولكنها انتهت لأسباب ما، وتود بشدة أن تعرف كيفية نسيان هذا الحب فلن تجد الطريقة هنا، لأنك ببساطة تستطيع أن تـ “جوجلها”، فقط اكتب: “?How to forget someone you love” ستجد مقالات كثيرة للغاية مبنية على أسس علمية، تعطيك خطوات حقيقية لخوض رحلة تعيسة لنسيان الحب، وفي النهاية من الممكن أن تنساه حقًّا، ولكن إذا كنت تبحث عن تعزية وسلوان، فتفضل “ادخل برجلك اليمين”.
عن ماهية الحب
كثير من العلماء والفلاسفة خاضوا في تعريف الحب وماهيته، ولكن لا تهمني هذه التعريفات ولا تشريح الحب فلسفيًّا ولا علميًّا، فالنظريات والتعريفات الجافة لا تروق لي، دائمًا ما أطمح إلى تعريف الأشياء إنسانيًّا، لا سيما الحب. أقتنع تمامًا أنّ كلًّا منّا لديه تعريف خاص للحب من وجهة نظره مستندًا إلى التجارب التي مر بها، ورغم ذلك ليس لدي تعريف واضح له، وإن كان يشبه التعريف الشخصي الذي أعبر به عنه هو أنه “عذابي وشفائي”، ولأنني أهتم بالتعريفات الشخصية للأشياء فإنني أجدها دائمًا في الفن. أعني على لسان أبطال العمل الدرامي.
ليس بالضرورة أن يكون التعريف خاص بالممثل- فاختيارات الممثل لا تعبر عن شخصه دائمًا، وإن كنت أقصد هنا الشخصية التي يتلبّسها، لهذا أحب أن أستعير مشهدين مفضلين أحب فيهما تعريف الحب.
الأول: مشهد يجمع بين الفنان الرائع محمد منير والفنانة حنان ترك من فيلم “دنيا”
في مكان ما يشبه المسرح، يقف منير ساندًا على أحد العوارض الخشبية، يحرك عينيه باحثًا عن الضوء لأنه فقد جزءًا من بصره في حادثة ما، ويدندن، وحنان “دنيا” ترقص برشاقة شديدة، ثم تبدأ بسؤاله: إيه هو الحب؟
فيجيبها: الحب فانتازيا، فتسأله ثانية: إيه هو الحب؟، فيقول: الحب عذاب، فتسأله مرة أخرى: إيه هو الحب؟، فيقول: الحب قتل. ثم في المرة الأخيرة تسأله، فيجيبها إجابة شافية وافية: “الحب إخلاص، حنان، اكتمال، الحب بهجة كل الحواس.
الثاني: مشهد يجمع بين الفنان “الذي كان رائعًا” محمد فراج، والفنان أحمد داود من مسلسل “أهو دا إللي صار”
في عشّة علي بحر يقف علي ويوسف بيه في مواجهة بعضهما البعض بمجرد أن جاءت سيرة “نادرة” -البنت التي أحبها كلٌ منهما ولم ينلها منهما أحد- يسأل يوسف عليًّا عن ماهية الحب، فيجيبه عليّ ضاحكًا مخفيًا وراء هذه الضحكة لوعة دفينة: الحب؟..الحب هو السعادة والحزن سوا، فيضحك يوسف ويقول: أنا كنت فاكره السعادة بس، كنت فاكر السعادة إنك تبقى حر ومحبوب، فيجيبه عليّ بثقة الخبير: مغفل، والله مغفل ..السعادة والحزن سوا مع بعض، ربك علشان يعرف الناس إيه هو الحب، دوقهم الحب في كوباية فيها الحزن والسعادة، إللي ما يشربهاش كلها على بعض ما يعرفش إيه معنى الحب.
النسيان كتشويش محترف للذاكرة
من هذه الرؤى الثلاث ننطلق. إذا أردت خوض التجربة فلا بد أن تعرف مسبقًا أن الحب ليس شعورًا عاديًّا، بل هو شعور يتغلغل تحت جلدك وفي أعماق ذاكرتك، يمكنك أن تأخذ منه ما يسرك ولكن يأبي الحب أن يكون سرورًا فقط، الحب عذاب وافتقاد وشوق، لذلك كان من البديهي أن يطلق على هذه الحالة “الوقوع في الحب” وأرفع القبعة هنا لمن استحدث هذا المصطلح لأول مرة، ولكنني أميل إلى استخدام لفظ “توريطة” للتعبيرعنها. نحن عندما نحب، نورط أنفسنا في تجربة لها بريقها ولكنها تخفي في خضمها أشياء كثيرة “أحب إنك تختبرها بنفسك”.
عندما تنتهي علاقة الحب ستشعر أن قلبك تم تفتيته إلى قطع متناثرة وأنه لم يعد صالحًا للحب مرة أخرى، بل ستراودك نفسك ويبدأ الشك يساور عقلك في معنى الحب أصلًا وفي وجوده، لأن عقلنا عندما يفكر في الحب يفكر في الجانب المتأنق منه فقط “إللي لابس بدلة” لا يفكر فيما خفي منه. ولكن السؤال الذي لن يتركك أبدًا هو: هل أنا ممكن أنسى فعلًا؟
أؤمن بالصدفة وأؤمن بالفن. أختار حلقات عشوائية من المسلسل الشهير Black Mirror لأسلي وقتي أثناء الإفطار أو العشاء، اخترت واحدة مرة دون أن أعرف عنوانها أو قصتها، وفي هذه الأثناء كان سؤال نسيان الحب إللي كان يؤرقني بشدة، فتحت الحلقة وبدأت في المشاهدة وللصدفة العجيبة كانت الحلقة تحكي عن قصة حب انتهت. تبدأ بفيليب الذي يتلقى اتصالًا يخبره أن “كارول هارتمان” قد ماتت ويريدون أن يقيموا لها عزاءً بشكل مختلف، حيث يريدون أن يكون العزاء مليئًا بذكريات تجمعها مع كل من عرفها. كارول هارتمان هي الفتاة التي أحبها فيليب في بداية حياته، وقد كانت قصة حب ملتهبة حتى أنهم خططوا لحياتهم سويًا، لكنهما انفصلا ولم يحدث أحدهما الآخر منذ هذه اللحظة.
يعتمد تجميع الذكريات على جهاز جديد يسمى “يولوجي” وهو جهاز يستطيع أن يجعلك تعيش داخل الذكريات. أراد فيليب خوض التجربة حتى “يجعلهم يحلوا عن سماه، فكارول بالنسبة له كانت قصة منتهية”. عندما وضع فيليب الجهاز على صدغه وطلبت منه محدثته الإلكترونية أن يتذكر كارول ويسترجع صورتها، لم يستطع..لم يستطع حتى أن يتذكر ملامحها، شيء مؤسف!
لم أستطع إكمال الحلقة لأن صدمة النسيان التام كانت شديدة عليّ، لم أتخيل أن النسيان يحدث هكذا. شيءٌ جارح أن تنسى شخصًا كنت تحبه حبّا يمكن أن يسع الأرض كلها ولا تستطيع تذكر وجهه حتى، ولا يمكننا أن نعزو الأسباب هنا إلى السن ومرور الزمن. للأسف ألحّ السؤال عليّ مجددًا وعدت لأعرف ما وراء النسيان. في القصة، بعدت كارول عن فيليب من أجل عمل ما في بلد آخر، وافتقدها فيليب، فزلت قدمه. عرفت كارول ولكن أراد فيليب أن يكفر عن ذنبه لأنه يحبها، فحجز تذكرة سفر للبلد التي تعمل فيها كارول حتى يزورها ويعرض عليها الزواج. في المطعم وفي ظل جو شاعري رومانسي جدّا، أخرج فيليب الخاتم وقدمه إليها، لكن رد فعلها كان غريبًا، لم توافق ولم ترفض وأيضًا لم تتكلم، تركته ورحلت!
الأسوأ من قصة حب انتهت للتو، الانتهاء الصامت الذي يكون دون حديث أو إبداء أسباب وترك أحد الأطراف الآخر يهيم على وجهه مع أفكاره السيئة حول الرفض، والبحث عن خطأ لم يرتكبه مبررًا لنفسه انتهاء قصته بهذه الطريقة المؤلمة. هناك سيناريوهات منطقية لهذه الحالة، السيناريو الأول هو أن يغرق هذا الطرف في دوامة الأسئلة ولن ينجه منها إلا الله، والثاني -والذي حدث بالفعل في حالة فيليب وكارول- هو تشويه الطرف الآخر في ذاكرته من أجل النسيان وإكمال الحياة حتى لو كانت ستكتمل باهتة ذات لون رمادي سخيف.
حتى ينسى فيليب، لم يتخلص من كل الصور والأشياء الملموسة التي تذكره بكارول، ولكنه شوّه وجهها في كل الصور التي تجمعهما معًا، لذلك عندما حاول الجهاز أن يعتمد على الصور ليساعده على تذكر وجهها لم يستطع أيضًا. يتذكر فيليب الموقف الأخير مشهد المطعم الصامت وماذا فعل بعده، ذهب إلى غرفته في الفندق وحطمها، ولكن لاحظ الجهاز وجود رسالة ملقاة على الأرض موجهة إليه، كانت من كارول، لم يقرأها وظن أنه لم يأخذها من الغرفة وتركها ورحل، ولكن عندما فتش في أشيائه وجد الرسالة، لم تكن رسالة بل كانت إجابة على أسئلة ضيّع سنوات عمره في البحث عن إجاباتها، وعندما لم يجدها قرر نسيانها بأسوأ طريقة ممكنة، تشويهها!
حكت كارول في رسالتها أنها مع افتقادها لفيليب زلت قدمها أيضًا، وهذه الزلة كانت نتيجتها جنين، وعندما جاء فيليب ليعرض عليها الزواج لم تستطع أن تواجهه ولا مواجهة نفسها، فتركته ورحلت وفضلت أن تكتب له على أن تواجهه مباشرة، وفي الرسالة تركت له الخيار، إذا استطاع مسامحتها فإنها ستنتظره في اليوم التالي في مكان محدد، وإذا لم يأت فستعلم أنه لم يسامحها. لم تعلم كارول أن فيليب لم يقرأ الرسالة وأنه سيعيش الباقي من عمره متصورًا أنها كانت شخصًا سيئًا. هو تخيل أنها خانته وأنها مستمرة في هذه الخيانة لذلك رفضت عرضه بالصمت، ولكن فعلتها كانت مثل فعلته تمامًا، زلة.
عندما عرف القصة كاملة، استطاع في هذه اللحظة أن يرى صورتها واضحة. فيليب لم ينسَ أصلًا، كان مجرد تشويش محترف للذاكرة حتى يستطيع الاستمرار، واستطاع الاستمرار فعلًا ولكن الحقيقة استطاعت بعد كل هذه السنوات أن تزيل الأتربة عن ذكرياته معها، الحقيقة التي جعلت عينيه تُغرورقان بالدموع عندما عرفها. فعمره مرّ في وهم اخترعه هو لأن الطرف الآخر لم يكن شجاعًا بالقدر الكافي للمواجهة.
ننسى أم نتحايل؟
أعتقد أننا لا ننسى .. بل نتحايل على الذاكرة، إما أن نشوّه الآخرين ونقرر أن يكون مكانهم أعمق نقطة في الذاكرة، وإما أن نتعايش مع الألم فترة من الزمن، نستلذ فيها بعذاب الحب، مستندين على الأسطورة التي تقول: “سيب نفسك والمية ترفعك”. في الحالتين لا يكون نسيانًا، ففي الأولى، عندما يرزقنا الله البصيرة أو الحقيقة فإننا نعود مرة أخرى إلى نفس النقطة كأن شيئًا لم يكن. لا بد أن أذكر هنا أن فيليب في نهاية الحلقة كان يقف على باب الكنيسة ناظرًا إلى ابنة كارول وهي تعزف، تأبينًا لأمها. فيليب احتاج دهرًا حتى يعرف الحقيقة “حاول ألا تكون مثله”.
في الحالة الثانية، التعويل كل التعويل يكون على الزمن وما يفعله بنا، فالزمن لا يُنسي الإنسان الحب ولكنه قادر على أن يجعل الإنسان يعيد صياغة المعاني مرة أخرى وفقًا لاحتياجاته ورؤيته لنفسه وللعالم. عند هذه اللحظة، عندما تلح عليه ذكرى حب قديم فإنها بالتأكيد ستكون أقل وطأة مما هي عليه الآن. سيستطيع استقبالها بطريقة لا تنكأ جرحًا قديمًا، “آمل وقتها أن يتحسس الندبة فقط”.




دايما بشوف إن الحب وهم… مش لأنه مش موجود خالص، لكن لأنه غالبا بييجي في صورة إحنا اللي بنرسمها مش بنلاقيها. بنخلق له ملامح من احتياجنا، ونحمّله فوق طاقته، ونصدق إن الشخص قدّامنا هو كل اللي كنا بندوّر عليه.
مع الوقت، الصورة دي بتبدأ تتكسر واحدة واحدة، مش لأن الحب اختفى، لكن لأننا بنشوف الحقيقة من غير التجميل اللي إحنا عملناه. بنكتشف إن اللي كنا متمسكين بيه كان إحساس جوانا أكتر منه واقع حقيقي.
يمكن الحب مش وهم بالكامل بس الوهم هو إننا نتخيله كامل، ثابت، ومن غير نقص. يمكن هو شعور صادق، بس بيتشوّه بتوقعاتنا، وبفكرة إن حد ييجي يكمّلنا أو ينقذنا.
يمكن المشكلة مش في الحب نفسه يمكن فينا إحنا، لما بندور على حاجة أكبر من طبيعتها، فنرجع نقول إنه كان وهم، وهو في الحقيقة كان مجرد شيء عادى، بس إحنا كبرناه أكتر من اللازم.
ربنا محرمش حاجة من فراغ
دايما أحسن حل إن الواحد يحفظ قلبه و عشان لما يلاقي الشخص المناسب يديله كل الحب لإن ساعتها هيكون هو الحب الأول و الأخير.. الحب الحلال اللي مش مستخبي و ليه اسم قدام الناس
انا للأبد هفضل مقتنعة ان الحب بعد الجواز
ازاي ممكن تحب حد وانت متعرفش كل حاجة عنه؟ متعرفش بيبقى عامل ازاي لما يتعصب او لما يزعل او لما تتخانقو هيحترمك ولا لا؟ كل دي حاجات مبتبانش غير بعد الجواز
احفظو قلوبكم و ابعدوها عن اي حد ممكن يشغلها او يكسرها، احفظوها للشخص اللي يستاهل مش كل من هب و دب يلعب فيها و يتعلق بيها