في زحمة عصاري شارعي التجاري الكبير
بينما أنا واقفة منتظرة دوري على كاشير السوبر ماركت
وقعت عيني على حذاء (شبشب) أحد الشباب الواقفين بجانبي في انتظار الكاشير
شبشب كبير من البلاستيك ، ليس كبيرا لأن قدم الفتى كبيرة، بل كبير لأن نعله عالى يرفعه عن الأرض بضعة سنتيمترات، اندهشت من شكل الشبشب غير المريح الذي يرتديه هذا الشاب الذي يعمل في أحد محال شارعنا، ما يعني أنه يقف قرابة ١٢ ساعة يوميا على هذه الأقدام النحيلة في هذا الشبشب المزعج.
الشبشب شكله متهالك، ولكن النعل السميك لم يبدو عليه أي علامة انضغاط، تشير الى انه طري، فيكون مريحا لقدميه.
بنظرة سريعة لباقي الأقدام على أرض السوبر ماركت، وجدتهم جميعا يرتدون هذا النعول السميكة القاسية؛ فأخرت دوري في الطابور لأطيل تأمل هذه النعول التي تحمل هذه الظاهرة غير المفهومة.
شباك حجرتي يطل على هذا الشارع التجاري الكبير، ولم يمنعني ارتفاع البناية، وإغلاق الشبابيك من نفاذ أصواتهم إلى داخل حجرتي، كثيرا ما سمعت أحد أصحاب المحلات يصف عماله “عيال تحب الجوع والراحة” فالرجل الذي يستأجر عاملا ينتظر منه أن يكون مكوكا ، لا يكل ولا يمل.. وعندما يتحرك ببطىء أو يتكاسل قليلا عن عمله لن يأتي في باله شبشبه غير المريح، ولا أن أكوام العيش والرز التي تقوته ربما حملت إليه داء السكري ما أبطئه وأثقل حركته!
عمال شارعي يأتون من قرى بعيدة، يعملون باليومية في العتالة والبيع، غالبهم شباب صغير في مطلع العشرينات، يُنتظر منهم الصحة والفتوة، لكن أقدامهم النحيلة ووجوههم الشاحبة وعيونهم الغائرة، وبعض السواد حول رقابهم، وتراكم دهون البطن والأجناب عند بعضهم، تخبر الكثير عما يعيشون بلا كلام. وشباشبهم السميكة غير المريحة، تلمِّح في خفوت إلى كيف يعاملون أجسادهم وما يشعرون به. ولا أحد يشعر بما يعانين، فلا أحد يحمل عبء المقهورين.
في شتاء ٢٠٢٣ بدأت المشاركة في نادي كتاب لقراءة “عندما يقول الجسد لا” الكتاب الذي يتحدث عن أثر الضغوط النفسية على الصحة الجسدية مشخصا لذلك بحالات قام بعلاجها الدكتور المؤلف.
وكعادة هذه الفعاليات الثقافية، غالب حضورها من النساء، ولعلك تسمع كثيرا عن سلبيات اجتماعات النساء، ولكن دعني أخبرك وصفتنا السحرية، بيننا تسري الألفة سريعا، مهما بدونا مختلفات في الشكل أو المظهر أو الخلفيات الثقافية أو الاجتماعية، فما أن تجتمع مجموعة من النساء في مكان إلا وسيبدأن الأحاديث المتشعبة والتي تصل أحيانا للأسرار الشخصية، ما احنا كده كده مش هنشوف بعض تاني!
وسيشجع على ذلك أكثر نادي الكتاب الاونلاين الذي لا يعرف فيه الناس عن بعضهم الكثير؛ فمع كل قصة لأمرأة مصابة بمرض مناعي من أثر الضغوط النفسية التي تحملتها طوال حياتها، ينكسر حاجزٌ من الصمت الشخصي لدى الحضور، فبدأت كل منا في مشاركة طرفا من تاريخ نساء عائلتها وما تحملن وكيف عانين!
يجتمع على النساء في غالب قصصهن القهر وعدم الاعتراف بالألم. أو بعبارة أصدق طالما كانت النساء لا تمتلك رفاهية الشعور بالألم.. تصاب الصغيرة بآلام الدورة الشهرية؛ فتخبرها أمها بضرورة كتمان ألمها حتى لا يشعر أخوها أو أبوها بمصابها، تكبر الصغيرة وتتزوج، تذهب لطبيب/ة النساء تخبره/ا بألم في رحمها، فغالبا ما يبتسم الطبيب في سماجة ليخبر الزوج أنها بتدلع عليه شوية!
عشت أعواما في مراهقتي ومطلع شبابي بعلامات واضحة لمقاومة الأنسولين، ولم يلتفت أحد ولم ألتفت أنا ايضاً.. فآلام الدورة الشهرية طبيعية، الإرهاق المتكرر ما هو إلا دلع ومحاولة لتجنب القيام بالأعمال المنزلية، وهكذا في كل عرض ألم بي يشير إلى دائى..
خلال مروري بهذا على مدار سنوات، أصبح تعرف جسدي على الألم أقل، اعترافي أن ثمة ألم أصلا بات أصعب، ودخلت المسكنات حياتي بكثافة، لأن هذا ما تدربت عليه، أنا فتاة صغيرة لا يُتصور إصابتها بمرض عضال؛ فكل ألم تشكوه هو “دلع بنات” فسأمت أنا ايضاً هذا الدلع وبت أسكنه بالمسكنات.
ولا أحكي هذا للشكاية والتذمر أو حتى إلقاء اللوم على عائلتي.. فهذا ما عرفوه واستطاعوا أن يقدموه مغلفا بكثير من المحبة والشفقة والإحسان!
وبالنظر الواعي إلى نساء عائلتي كيف يتعرفن على أجسادهن وكيف يعاملن آلامهن، يصبح المتجذر في اللاوعي العائلي عن معنى الألم واستحقاق الشكوى أكثر وضوحا بكثير!
ومن حكايا الصديقات في جروب القراءة لاحظت أن هذا التجاهل والإنكار للألم لدى النساء يكاد يكون موروثا اجتماعياً، فما أكثر النساء اللاتي عانين أوراما، أو انسحق جهازهن المناعي تحت عجلة الضغوط والقلق، ولم يلتفتن إلى إشارات أجسادهن، ولم يستمع إلى شكواهن أحد!
بقدر ما أستمتع بفعل الملاحظة والتحليل الذي أمارسه قصرا على قراء هذه التدوينة، بقدر ما أجده فعلا مرهقا مستنزفا لتفكيري وطاقتي في كثير من الأحيان، ولعل الحسنة العظمى لكثرة الملاحظة هي تلك المفاجأة المدهشة عندما تصادف ملاحظاتي وتحليلاتي دراسة علمية ما.
نشر في Journal of Pain عام ٢٠١٩ ما يفيد أن الأفراد من خلفيات اجتماعية متدنية يشكون من آلام أكثر، لكنهم يواجهون “تجاهلاً” مجتمعياً أكبر، مما يجعلهم مع الوقت يطورون آلية (Stoicism) أو “الصلابة الصامتة” التي تؤدي لضعف التعبير عن الألم وفقدان الحساسية تجاهه.
فالفقر يستهلك “النطاق الترددي الذهني” (Mental Bandwidth). الشخص المنشغل بتوفير لقمة العيش لا يملك طاقة ذهنية لملاحظة “الألم” أو “الصحة”، لأن عقله في حالة طوارئ دائمة للتعامل مع الفقر، مما يؤدي لضعف الوعي بالذات.
في كتاب “The Social Experience of Pain” يرى Jean-Benoît Morel أن إدراك الألم ليس بيولوجياً فقط، بل هو “بناء اجتماعي”؛ في الطبقات الكادحة، يُنظر للألم كعنصر ملازم للعمل، مما يؤدي لما يسمى بـ (Sensory Adaptation)، حيث يتوقف الجهاز العصبي عن تنبيه الشخص للألم المزمن لكي يستطيع الاستمرار في الحركة.
والمشكلة هنا: أن هذه الصلابة “خدّاعة”؛ فالمجتمع يراها “قوة وتحملاً”، بينما هي في الحقيقة “انفصال عن الجسد”، وبمرور الوقت، هذه الصلابة القسرية تجعل الشخص يفقد القدرة على تحديد متى يكون الألم خطيراً ويحتاج لتدخل طبي، لأن عقله تدرب على “تجاهل الإشارة” تماماً.
لم تكن قصص النساء في نادي الكتاب مجرد بوح عابر، بل كانت تجسيداً حياً لما ترصده الدراسات العلمية حول ‘تسييس الألم’ والنوع الاجتماعي. ففي دراسة كلاسيكية بعنوان ‘The Girl Who Cried Pain’ للباحثتين (Hoffmann and Tarzian)، نجد تفسيراً علمياً لهذا ‘التجاهل’؛ حيث تشير الدراسة إلى أن آلام النساء غالباً ما يتم تصنيفها اجتماعياً وطبياً على أنها “نفسية”أو “مبالغ فيها” (Emotional) مقارنة بالرجال، مما يدفع المرأة —خاصة في الأوساط المجهدة اجتماعيا— لتبني حالة من ‘التهميش الجسدي’.
هذا التهميش ليس مجرد صمت، بل هو عملية نفسية عميقة تبدأ فيها المرأة بالشك في صدق ألمها الخاص تحت ضغط الوصف المجتمعي بـ “الدلع”. ومع الوقت، وكما يشرح علم النفس العصبي، يؤدي عدم الاعتراف المجتمعي بالألم إلى ضعف قدرة الجهاز العصبي على التعرف على الإشارات الحسية بدقة؛ فالدماغ الذي اعتاد سماع أن وجعه “طبيعي” أو “غير حقيقي” يتوقف تدريجياً عن تنبيه صاحبه، فيما يُعرف بـ “الاغتراب الحسي”
وهكذا تصبح الدائرة مغلقة؛ فالقهر الاجتماعي يفرض الصمت، والصمت يولد ‘الصلابة القسرية’ (Stoicism)، وهذه الصلابة الخداعة تؤدي لتعطل رادارات الجسد، حتى تصبح المرأة غريبة عن وجعها، لا تشعر به إلا حين يتحول إلى انهيار كامل للمناعة أو أورام صامتة سكنت الجسد طويلاً دون استئذان.
ولا أخفيكم أن تلك اللحظة التي اكتشفت فيها كيف يأكل الضغط النفسي من صحة ومناعة النساء هي بداية طريقي في تلقي العلاج النفسي.
يبدو أن تلك الشباشب القاسية التي لا تنضغط، وهذا الصمت الأنثوي الذي لا ينكسر، هما وجهان لعملة واحدة؛ عملة ‘البقاء’ التي ندفع ثمنها من انتباهنا لأجسادنا. إن ما يخبرنا به العلم عن “اغتراب الجسد” و “استنزاف النطاق الذهني” ليس مجرد نظريات، بل هو واقع نعيشه يومياً في شوارعنا وبيوتنا؛ حيث يُجبر الفقر والقهر الإنسان —رجلاً كان أو امرأة— على أن يعامل جسده كآلة صماء، لا يحق لها الأنين.
إنها دائرة محكمة، يتبادل فيها الجميع أدوار الصمت القسري؛ فالرجل الذي تعوّد ألا يلتفت لوجعه لكي يستمر في مهام يومه، لن يملك فائضاً من الوعي ليرقب ألم زوجته أو ابنته. والنساء اللاتي اعتُبر ألمهن “دلعا” توقفن مع الوقت عن سماع استغاثات أجسادهن الخاصة، ومرر هذا التجاهل والإنكار إلى النساء جيلا بعد جيل بمختلف خلفياتهم وأوساطهم الاجتماعية.
نحن لسنا أمام قسوة متعمدة من أحد، بل أمام منظومة جعلت من “إدراك الألم” عبئاً لا يُحتمل، فآثر الجميع التخدير بالمسكنات أو بالتجاهل.




جميل جميل ومهم جدا
جميل جدًا،فتح الله عليكِ!