يرى الكثيرون –وأنا منهم– أن العهد الأموي يُعتبر من أغنى وأقوى الفترات الزمنية التي برز فيها الشعر والشعراء العرب. ومن حسن حظي أنني وُلدتُ محبًّا وعاشقًا للكلمات التي تُوصَف وتُحبُّ الأذن سماعَها مرارًا، ويحبُّ العقل حفظَها. ولي قلمي الذي أفتخر به في كتابة الأبيات، وكان هذا مدخلي وبابي إلى الشعر. لم أملك سوى قلمي وبعض المشاعر.
فمثلاً في مراهقتي كتبتُ – بالطبع – عن الحب والفراق، ثم كتبتُ عما رأتْه عيناي من ظلم البشر لبعضهم البعض، ثم كتبتُ عن قصص أشخاص استشعرتُ فيهم أبياتًا ورأيتُ في حياتهم ما يستحق أن يُخلَّد في الذاكرة. وهذه –في نظري– قوة الشعر: يزول الأشخاص الذين كُتب عنهم الشعراء، ويزول الشاعر، ولا تزول الكلمات ولا تبهت القافية.
وإن تحدثتَ عن البلاغة في اللغة ممزوجة بالتعصُّب القبلي والسخرية اللاذعة، فبالطبع يجب أن أتحدث عن النقائض؛ وهو ما تركه لنا الفرزدق وجرير –سادة الشعر في العهد الأموي– وكأنها مبارزة بالسيوف يتبارز أبطالها دون أن يقتل أحدهم الآخر، وينتظران حكم الجمهور وسادة القبائل عن من انتصر.
لم يكن جرير سوى شابٍّ يطمح أن يكون شاعر العرب الأول، بينما كان الفرزدق يرى نفسه كذلك بالفعل. وبعيدًا عن سبب خلافهما الذي اختلفت فيه المصادر والأقاويل، إلا أنني أرى أن الخلاف بينهما كان خلافًا فنيًّا بنسبة كبيرة، إذ امتد هذا الخلاف حتى مات أحدهما –وهو الفرزدق– ويعكس خلافهما الحالة الاجتماعية في ذلك الوقت، ناهيك عن أنه يعكس أيضًا تعصُّبًا قبليًّا كبيرًا.
الفرزدق (همام بن غالب بن تميم بن دارم) من أهل البصرة، وكان يرى أن فرعه أعلى من جرير من حيث النسب؛ فجرير من فرع يربوع، والفرزدق من فرع بني دارم. ويُعدُّ الفرزدق من نبلاء بني تميم، وقد قيل عنه: «لولا الفرزدق لذهبت نصف أخبار الناس وثلث لغة العرب». كان شريفًا في قومه، رفيع المقام، لا يقول أبياته للأمراء والأشراف إلا قاعدًا بينهم، وكان محبًّا للنساء طيلة حياته التي تجاوزت تسعين عامًا.
أما جرير فهو (جرير بن عطية بن كليب بن يربوع) من أهل نجد، اشتهر بقوته في الغزل ورقة غزله وقدرته العظيمة على الارتجال، مما جعل الناس يقولون إنه كأنه يغترف أبياته من البحر. ومنذ نشأته ظهرت عليه قدرته المذهلة على الهجاء، حيث لم يكن الفرزدق والأخطل أول من هجاهما بالطبع.
وكانت شرارة هذه الحرب الشعرية العظيمة في الأصل هي الغيرة، سواء من حيث النسب أو من حيث إثبات الموهبة. فقد كان الفرزدق قاسيًا في هجائه دائمًا، لا يهمه هجاء أجساد النساء ولا هجاء أمهات أخصامه من الشعراء أمام الملأ.
ومن أقواله في جرير:
يا ابن الحِمَارَةِ للحِمَارِ، وإنما
تَلِدُ الحِمَارَةُ والحِمَارُ حِمَارا
ولو أن ألأمَ من مشى يُكسى غدًا
ثوبًا لَرُحتَ وقد كُسيتَ إزارا
كَلَمَتْ مروءتُك التي تُعنى بها،
لو جادَ سرجُك واستجدَّ عِذارا
من الواضح أنه أقرب إلى الجرأة والغِلظة من جرير،الذي كان يُعتبر موهوبًا ساخرًا وذكيًّا، تحب سماع كلماته، ولكنه بالطبع لا يخلو من الخناجر التي تُعلَّق في الأذهان، خصوصًا مع حرص الفرزدق على أن يذكِّر الجميع دائمًا في أبياته أنه أعلى موهبة ونسبًا من جرير.
وكان لكلٍّ منهما مكان دائم في مجالس الخلفاء، تارة يميلون إلى جرير وتارة إلى الفرزدق. وفي بعض الكتب ظهر ميل الخليفة عبد الملك بن مروان إلى جرير، كما جمعته صداقة قوية مع الحجاج بن يوسف الثقفي، وهذا –إن دل فإنه– يدل على علم جرير وثقافته رغم بيئته الأقرب إلى البادية.
ومن الواضح للأعمى أن خلافهما كان في مصلحة رفيعي المقام والخلفاء. وبعد هذا الخلاف –وإن حمله الفرزدق وجرير على محمل الجد– كان وسيلة ترفيه للعوام وللخلفاء أيضًا. فبرغم فحش الفرزدق في وصف جرير وأهله -رجالاً كانوا أو نساءً- لم نرَ تراجع جرير أمامه ولو مرة واحدة.
ومن المواقف التي يمكن الاستدلال بها على متعة الناس بهذه الخصومة:
يقال: دخل رجل على عبد الملك بن مروان يمتدحه بقصيدة، وعنده الشعراء الثلاثة: جرير والفرزدق والأخطل، فلم يعرفهم الأعرابي. فقال عبد الملك للأعرابي:
«هل تعرف أهجى بيت قالته العرب في الإسلام؟»
قال: نعم! قول جرير:
فغض الطرف إنك من نمير … فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
فقال: أحسنت! فهل تعرف أمدح بيت قيل في الإسلام؟
قال: نعم! قول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا … وأندى العالمين بطون راح
فقال: أصبت وأحسنت! فهل تعرف أرق بيت قيل في الإسلام؟
قال: نعم! قول جرير:
إن العيون التي في طرفها حور … قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
فقال: أحسنت! فهل تعرف جريرًا؟
قال: لا والله، وإني إلى رؤيته لمشتاق.
قال: فهذا جرير، وهذا الفرزدق، وهذا الأخطل.
فأنشأ الأعرابي يقول:
فحيَّا الإله أبا حَرْزَةَ … وأرغم أنفك يا أخطل
وجد الفرزدق أتعس به … ورقَّ خياشيمه الجندل
فأنشأ الفرزدق يقول:
يا أرغم الله أنفًا أنت حامله … يا ذا الخنا ومقال الزور والخطل
ما أنت بالحكم ترضى حكومته … ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
ثم أنشأ الأخطل يقول:
يا شر من حملت ساق على قدم … ما مثل قولك في الأقوام يحتمل
إن الحكومة ليست في أبيك ولا … في معشر أنت منهم إنهم سَفَل
فقام جرير منفعلاً وقال:
أتشتمان سفاهًا خيركم حسبًا … ففيكم –وإلهي– الزور والخطل
شتمتماه على رفعي ووضعكما … لا زلتما في سفال أيها السفل
ثم قام جرير فقبَّل رأس الأعرابي وقال: يا أمير المؤمنين، له مني خمسة آلاف.
فقال عبد الملك: وله مثلها من مالي.
نحن هنا نرى من الشعراء ما يصعب رؤيته في زمننا الحالي: قدرة كل لسان منهم على التحدث بالشعر تفوق ما يُسمَّى بالموهبة وحسب، بل إنها هبةٌ فذَّة تميَّز بها شعراء بني تميم خصوصًا، وشعراء العرب عمومًا في ذلك الزمان. ولم يجمع التاريخ كل ما قاله الفرزدق ولا كل ما قاله جرير بالطبع، فقد كانت منطقة نزاعهما هي الشعر والهجاء؛ فلم يفُت أحدهما فرصة، ولم يتنازل أحدهما مرة عن حق الرد.
قال الفرزدق:
«إن الذي سمكَ السماءَ بنى لنا
بيتًا دعائمهُ أعزُّ وأطولُ»
فرد جرير:
«أخزى الذي سمكَ السماءَ مجاشعًا
وبنى بناءكَ في الحضيضِ الأسفلِ»
ولأكون منصفًا وراضيًا عما أقدّمه لكم اليوم، فمن الواجب عليّ أن أعرّفكم على «أبي عرادة النميري».
هو رجل من بني نمير، وكان صديقًا مقرَّبًا جدًّا إلى الفرزدق.
وفي يوم من الأيام، زار الفرزدق – وفي حضوره بصحبة أبي عرادة – زارهم شاعر نميري يُدعى أبا جندل. فقدَّم له أبو عرادة الضيافة والشراب. وبعدما سكروا وغابت أجزاء من الوعي، طلب أبو عرادة من أبي جندل أن يقول أبياتًا تُظهر تفوّق الفرزدق على جرير في الهجاء. فقال ذلك الموهوب –المدعو أبو جندل:
«يا صاحبي دنا الرواح فسيرا …
غلب الفرزدق في الهجاء جريرا»
بلغت هذه الكلمات جريرًا فغضب غضبًا شديدًا، وكتب قصيدته المشهورة «الدامغة» –وهي تقارب مئة بيت– في يوم واحد، وألقاها في سوق المربد أمام الفرزدق والراعي.
وممّا عاش في مخيلتي ويُعده البعض –ومنهم أنا– بمثابة خنجر في قلب كبرياء الفرزدق المتفاخر بنسبه، ما قاله جرير في تلك الأبيات:
فَما هِبْتُ الفَرَزْدَقَ قَدْ عَلِمْتُمْ
وَما حَقُّ ابْنِ بَرْوَعَ أَنْ يُهَابَا
أَعَدَّ اللَّهُ لِلشُّعَرَاءِ مِنِّي
صَوَاعِقَ يَخْضَعُونَ لَهَا الرِّقَابَا
أَتانِي عَنْ عَرَادَةَ قَوْلُ سُوءٍ
فَلا وَأَبِي عَرَادَةَ ما أَصَابَا
فَلا صَلَّى الإِلَهُ عَلَى نُمَيْرٍ
وَلا سُقِيَتْ قُبُورُهُمُ السَّحَابَا
فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ
فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلا كِلَابَا
فَلَوْلا الغُرُّ مِنْ سَلَفِي كِلَابٌ
وَكَعْبٌ لاغْتَصَبْتُكُمُ اغْتِصَابَا
قرأتها مرارًا وتكرارًا ولا أملّ منها، ولا أملّ من القصيدة بأكملها. وإذا تجنَّبنا الخلافات قليلاً أو الميل لأحد على حساب الآخر، فأنا أعتقد أن تلك الكلمات هي أعظم ما قيل في الهجاء على الإطلاق. يبدأ جرير كلامه مؤكدًا أنه لا يهاب الفرزدق –رفيع المقام– ويُعلِّل عدم خوفه بأن الفرزدق من نسل بروع، وذلك كافٍ لئلا يشعر بالخوف منه. ثم بدأ فورًا بتعظيم نفسه، والحقّ أن تلك الأبيات ليست بلا هدف؛ فقد كتبها ردًّا على سوء كلام عرادة، ثم قال جملته الخالدة التي لا تحتاج إلى تدخّل مني:
«فغض الطرف إنك من نمير … فلا كعبًا بلغت ولا كلابا»
وكعب وكلاب هما فرعان يُعرفان بالعزة والقوة.
«فلولا الغرّ من سلفي كلاب وكعب … لاغتصبتكم اغتصابا»
أي: لولا ما في نسبه وسلفه من قرابة بكلاب وكعب –مما يجعله يترفَّع عن اغتصابهم معنويًّا– لما نزل إلى مستواهم.
هذا ما كان عليه أبطال مقالتي الأعزاء الذين لا أملّ من قراءة أخبارهم ما حييت. لقد رسمت النقائض بينهما نوعًا جديدًا من الهجاء؛ إن رآه أحد مؤدّي الراب لبكى بحرقة. وأبرزا مفردات العزة والتفاخر بصورة لا تملّ منها العيون. وإن كان لي وجود في هذا الزمن، فأنا أجزم أنني لن أكون سببًا أبدًا للإصلاح بينهما، بل لقد تغلّبت عليَّ تلك المتعة حتى لأحرّض بينهما أكثر.
ومن الجدير بالذكر أن تلك المناوشات لم تنتهِ إلا عندما مات الفرزدق، فسَارع جرير إلى قلمه ليكتب عنه مجددًا، لكن تلك المرة كتب رثاءً لم يكتبه لأعزّ أصدقائه.
ومن رثاء جرير للفرزدق:
لَعَمْرِي لَقَدْ أَشْجَى تَمِيمًا وَهَدَّهَا
عَلَى نَكَبَاتِ الدَّهْرِ مَوْتُ الفَرَزْدَقِ
عَشِيَّةَ راحُوا لِلْفِرَاقِ بِنَعْشِهِ
إِلَى جَدَثٍ فِي هُوَّةِ الأَرْضِ مُعْمَقِ
لَقَدْ غَادَرُوا فِي اللَّحْدِ مَنْ كَانَ يَنْتَمِي
إِلَى كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ مُحَلِّقِ
ثَوَى حَامِلُ الأَثْقَالِ عَنْ كُلِّ مُغْرَمٍ
وَدَامِغُ شَيْطَانِ الْغَشُومِ السَّمَلَّقِ
عِمَادُ تَمِيمٍ كُلِّهَا وَلِسَانُهَا
وَنَاطِقُهَا البَذَّاخُ فِي كُلِّ مَنْطِقِ
فَمَنْ لِذَوِي الأَرْحَامِ بَعْدَ ابْنِ غَالِبٍ
لِجَارٍ وَعَانٍ فِي السَّلاسِلِ مُوثَقِ
وَمَنْ لِيَتِيمٍ بَعْدَ مَوْتِ ابْنِ غَالِبٍ
وَأُمِّ عِيَالٍ سَاغِبِينَ وَدَرْدَقِ
وَمَنْ يُطْلِقُ الأَسْرَى وَمَنْ يَحْقُنُ الدِّمَا
يَدَاهُ وَيَشْفِي صَدْرَ حَرَّانَ مُحْنَقِ
وَكَمْ مِنْ دَمٍ غَالٍ تَحَمَّلَ ثِقْلَهُ
وَكَانَ حَمُولاً فِي وَفَاءٍ وَمَصْدَقِ
وَكَمْ حِصْنِ جَبَّارٍ هُمَامٍ وَسُوقَةٍ
إِذَا مَا أَتَى أَبْوَابَهُ لَمْ تُغَلَّقِ
تَفَتَّحُ أَبْوَابُ الْمُلُوكِ لِوَجْهِهِ
بِغَيْرِ حِجَابٍ دُونَهُ أَوْ تَمَلُّقِ
لِتَبْكِ عَلَيْهِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ إِذْ ثَوَى
فَتَى مُضَرٍ فِي كُلِّ غَرْبٍ وَمَشْرِقِ
فَتىً عاشَ يَبني المَجدَ تِسعينَ حِجَّةً
وَكانَ إِلى الخَيراتِ وَالمَجدِ يَرتَقي
فَما ماتَ حَتّى لَم يُخَلِّف وَرائَهُ
بِحَيَّةِ وادٍ صَولَةٍ غَيرَ مُصعَقِ
دمتم بود .




مقال يجعلنا نزداد عشقا للشعر العربي . أحسنت
واااو ❤️