تُشغلني قضايا الانفصال، والأطفال، ومصير البيت الذي يصبح بين ليلةٍ وضحاها مكانٍ منطفيء بلا روحٍ.
لماذا يُريدون ترسيخ فكرةٍ “ أنه عادي” و” بكرة هنلاقي اللي هيعوضنا” أؤمن بالقدر خيره وشره، لكن الطلاق أمر صعب على النفس تحمله، أعتقد أني أشبهه بالانسلاخ، فجأة تصارع نفسك، ذكرياتك تتدفق دفعةً واحدة لتعج رأسك بسيل منها يصيبك بالأرق والبكاء.
فلا ليس الأمر عاديًا .. وليس الأمر سهلاً.
مررتُ بهذه التجربة المريرة..
عندما تبدأ بتجهيز حياتك مع شخصٍ، تضع بين يديه تفاصيلك التي تحبها.. أمنياتك.. وحتى أحلامك المستحيلة. بعدها تبدأ تكتشف أنك وحيد تمامًا حتى ولو ظهر العكس.
وكأن الحكاية التي تخيّلتها دافئة، تُروى على ضوء مصباحٍ خافت، قد انطفأت فجأة دون تمهيد.
الانفصال ليس مشهدًا عابرًا في حلقة، ولا عقدة تُحل في عشر دقائق؛ بل هو أشبه بزلزال صامت، إعادة تعريف للهوية من “نحن” إلى “أنا”. بعيد أن تقضي برهة تتمرن على أن تتحول من “أنا” إلى “نحن”. بعد الارتباط
لا أرفض الإيمان بأن الله يُعوّض، لكن التعويض لا يمحو الأثر. الجروح تلتئم؟ نعم، لكنها تترك علامة تذكّرنا بما كان.والقوة الحقيقية ليست في التظاهر بأن الأمر بسيط، بل في الاعتراف بثقله.
وربما -إن أردتُ أن أكون منصفة مع نفسي- فقصتي ليست نهاية العالم، بل فصلٌ مؤلم في كتابٍ أُغلق.
فكما تبدأ كل الحكايات بـ”كان يا ما كان”،ربما تبدأ الحكايات الجديدة بـ”ومن بعد ما كان تعلّمتُ أن أعيش”.
في الأيام القليلة الماضية لم أعد متأكدة من أي شيء، الساعة تتحرك أم واقفة، حبّات الأرز أهي بقبضة يدي أم تسربت خارجها، هل أغلقت مصباح غرفتي؟
ينقصني كل شيء، ولا أريد أي شيء. كأنني قد طردت من قبل العالم أجمع واكتفيت بما يأتي لي منه، أو ربما ألقى هو بي خارجه فلم أعد أخبر الحياة فيه. كيف يمكننا أن نسير وسط الناس نصف مستيقظين خالييّن من اليقين.
تستوقفني الآية “لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ”
فأقول لنفسي في حديث لا ينقَطع أبدًا أنه يجب التعامل مع الحياة مع تذكر أنها ليست دار راحة، بل أن الحياة بطبيعتها متقلبة ولا تمنح أحدًا يقينًا دائمًا، إنما رحلة تتبدل فيها الوجوه تتغير فيها الأيام، مرةٍ تُثقِل القلب بما لا يَحتمل ومرةٍ تحنو عليه كطفلٍ رضيع.
فتقبل خسارتك على أي حال، أنت بحاجة لأن تستريح قليلًا،أن تمنح قلبك هدنة قصيرة من الخوف، ومن القلق الذي يأكل فيك بصمت،أن تتوقف عن توقع الأسوأ في كل مرة، وعن استنزاف نفسك في عناء التفكير، أن تبتعد ولو للحظة عن تلك المعارك الكثيرة التي تخوضها بالتوازي وحدك، فليس كل ما تخشاه سيكون، وليس عليك أن تحمل العالم كله فوق رأسك طوال الوقت.
نحن الواقفون على هامش الحياة الذين لم يأخذهم الطريق معه،نخشى البوح واللوم، ونخشى الأذى، حتى الحب نخشى الغوص فيه فنغرق،نخشى الإنبهار والبدايات والخذلان المُر، نخشى نفوسنا المتقلبة وانطفاء الرغبة في المنتصف، نخشى الصديق ورحيله، نخشى الفشل، والذكرى، نخشى الخيال فَوهمه ثقيل، ونخشى الحقيقة، نخشى مِن جَرف الدنيا ، وأن يمُر العمر دون عملٍ يُجدي، نخشى أن يسلبنا الخوف الوصول.
خراب البيوت مش بالساهل..
بعد تنهيدةٍ طويلة تحمل مرار الأيام وثقلها.
الانفصال ليس بمثابة الأمر الهين، ليس حدثًا عابرًا يُطوى مع الأيام، هو ارتباك للروحِ ككل، الروح التي اعتادت السكن، البيت ليس حوائط وسقف وأنوار،البيت يُبنى بالعشرة والأيام الطويلة.
“الكنبة” التي كانت تجمع بين ضحكتين، دمعتين، طبطبة يد أحدهم، أحلام مشتركة تسقط كما تسقط أوراق الشجر في الخريف، فجأةً تقف الصورة وكأن كُل شيءٍ تعطل تقف الحياة في صف الذكريات كأنها تسأل ماذا حدث؟
احيانًا نُقلل من الألم لنمضي بنفس أطول وروح أقوى. نستخدم كلمات “ عادي” و” هتعدي” لتقليل سرعة اصطدام القلب بالواقع.
ولأن القلب، مهما بدا قويًا،يتعب من حمل الذكريات دفعةً واحدة، من ترتيب الصور القديمة ووضعها في “ الأرشيف”
ليس بالسهل أن تعود إلى نفسك بعد أن اعتدت المشاركة،أن تتخذ قراراتك وحدك،أن تتحمل صمت المساء دون كتفٍ تسند إليه تعبك.كأنك تتعلم الحياة من جديد،لكن بنسخةٍ أكثر وعيًاوأكثر حذرًا، وتأمل أنها لا تضع البيض كُله في سلةٍ واحدة.الإنسان قادرٌ أن يعيد ترتيب روحه،أن يجمع شتاته،وأن يبني داخله مساحةً آمنة لا تهدمها العواصف.
وكان يا ما كان فبعد ما كان ..
تُصبح الحياة بعد الإنفصال أكثر حساسية تجاه التفاصيل، وأكثر خوفًا من التعلق، وربما أكثر نضجًا.لكن الإنسان رغم هشاشته يعتاد النجاة، يذهب لنفسه يُعيد ترتيب الصورة من جديد، يقع احيانًا ويصمد طويلاً في وجه الصراعات الداخلية والضغوطات المجتمعية.
يمر بأيامٍ يظن فيها أنه تجاوز كل شيءٍ ثم تهزمه ذكرى أو ربما رائحة عابرة أو أغنية فيدرك أن التعافي ليس طريقًا مفروشًا بالورد بل موجات من القوة والضعف من السلام وربما بعض الحنين.
ومع الوقت يدرك أن التعافي ليس بمعناه أن نتألم وأن النجاة تحمل في طياتها الوجع، بل أن نستمر رغم الألم. أن يعود الإنسان مرةٍ أخرى للحياة لا بالشخص نفسه بل أكثر حكمة وأكثر وعيًا وتبصرًا للأشياء والأشخاص، أكثر رحمة بنفسه وأقل استعدادًا أن يهدر قلبه فيما يؤذيه.
ولربّما لمثل هذا خُلق النسيان، ليخفف من وطأة الحياة على قلوبنا، فما كان يومًا مؤلمًا يصبح بعدها ذكرى بعيدة ربما لن نتذكرها مجددًا، وبين محاولات التماسك والسقوط يتعلم الأنسان أن دائرة الحياة لا تتوقف عند أحد بل تمضي وأن النهايات التي ظنّها يومًا نهايات قاتمة كانت في الحقيقه بدايةٍ جديدة -حلوة هي أو مرة- ليتحول لشخصٍ واعٍ مدرك تمامًا أن الطمأنينة ليست في بقاء الأشخاص بل في القدرة على النجاة بعد رحيلهم، فيبدأ بالتخفف شيئًا فشيئًا، من الأسئلة التي بلا إجابات التي تطحن رأسه، ومن لومِ نفسه على أنه قادر على إصلاح الكون في غمضة عين،ومن الإحتياج الدائم لأن يكون كل شيءٍ مكتمل حتى يشعر بالأمان، ثم يتصالح مع فكرة الرحيل وأن القلب مهما أرهقته الأشياء سيظل قادرًا على أن يُحب الحياة مرةٍ أخرى.
ومن بعد ما كان،لا أقول إن الطريق صار ممهّدًا،لكنني صرتُ أعرف أنني أستطيع السير،أن الألم لا يُلغي القدرة،وأن النهاية، مهما كانت موجعة،قد تكون بدايةً لحياةٍ أصدق وأهدأ.البداية التي لم نكن نتخيّل أننا سنملك شجاعتها يومًا.


