تعليق صوتي: fawzia ahmed
بعد مرور عدة أشهر على تجربتي كمعلمة للأطفال، أدرسهم اللغة العربية عن بعد بوساطة الزوم، أستطيع الآن أن أخبركم بملاحظاتي البسيطة حول هذه التجربة ..
خضت التجربة مع أطفال من بلدان مختلفة، ولا أظن الجنسية مهمة بقدر أهمية مكان السكن، فهؤلاء الصغار معظمهم من أبناء المغتربين، في الخليج غالبًا، أو في أوروبا وكندا، وعلى الرغم من أن نمط الحياة الذي عاشوه يتفوق في الرفاه على حياة الأطفال الذين ينشؤون في بلادنا، فإنني أعتقد بنسبة ما أن معظم أطفال هذا الجيل متشابهون، خاصة الذين يمتلكون أجهزة إلكترونية، فهم يعيشون داخلها، ويتأثرون بها أكثر مما يتأثرون ببيئاتهم المحيطة ..
الملل هو سيد الموقف
أول ما لاحظته هو الملل الشديد عند الأطفال من الدروس، ومع أنني قد أكون معلمة مملة أحيانًا؛ لأنني أؤمن أن التعلم لا يجب أن يكون ممتعًا دومًا، بل هو عملية شاقة تتطلب جهدًا للفهم، وبغياب هذا الجهد لن يستفيد المتعلم كثيرًا ولن تتطور معارفه، ولكن بالرغم من ذلك لم أتوان عن استعمال الوسائل التعليمية المثيرة للاهتمام، والدمى، والفيديوهات، والألعاب اللامنهجية، وكل شيء يخطر في بالك عزيزي القارئ من أجل لفت انتباه هذا الكائن الصغير ذو السنوات السبع الذي يراقب الساعة بصبر نافد، ليسألني كل ١٠ دقائق: مس، كم باقي للحصة؟
وأترك لخيالك الواسع تصوُّر خيبتي عند سماع هذه العبارة..
هذه الوسائل التي كنت أعتقد وأنا أحضرها أنها ستبهر الأطفال، لا تكاد تلفت انتباههم أكثر من دقائق معدودة، ليعودوا بعدها للشعور بالملل، لأن دماغ الصغير التي اعتاد التحفيز المستمر لن يصبر على فيديو مدته ٤ دقائق يحكي قصة الشدة أو التنوين، فضلًا عن أنه غير مهتم أساسًا بتعلم العربية أو استعمالها في محيطه الناطق بالانجليزية، فهي تكفيه وتغنيه عن كل ما يمكن أن أمنحه إياه من معرفة.
وباعتقادي فإن غياب الدافع هذا سبب رئيسي في شعور الأطفال بالملل، وعدم قدرتهم على التعلم بكفاءة، وهذا للأسف حاصل بتأثير البيئة، وإن كان حاصلًا لغيرهم في بيئاتنا نحن الناطقة بالعربية الكارهة لها، والتي تعدُّها من مظاهر التخلف ومغاليق الفرص ومعطّلات الانطلاق بقوة نحو “سوء العمل” ووظائفه المنشودة.
وقد يخطر في بالك أن هذا مرتبط بالتعلم عن بعد، ومحدودية التفاعل فيه، لكن يؤسفني أن أخبرك أن الحال في المدارس والمراكز التعليمية أسوء بكثير، ويمكنك أن تسأل أي معلم تعرفه عن تجربته، لتسمع سيلًا من الشكوى لم تكن تتوقعه..
في الماضي كان للمعلم مكانة اجتماعية ما، بصفته الفرد الذي يساعد الآخرين في الانتقال من الجهل إلى المعرفة، ويمنحهم أسرارًا ما كانوا ليحصلوا عليها دونها، ويقيّم مهاراتهم وتطورهم بملاحظاته على أدائهم، لكنه اليوم لم يعد بالنسبة لجُلِّ الطلبة أكثر من شخص مزعج يطرح معلومات لا تهمهم، فهم يبحثون عن زر لإيقافه والتخلص منه، وهذا طبعًا ناتج عن تدهور صورة المعلم ودوره أمام المجتمع ككل، لا أمام طلابه وحدهم.
وأنا هنا لا أنفي المسؤولية عن المعلم، ولا أحب الإكثار من بكائيات قم للمعلم وفِّه التبجيلا، لكن العملية التعليمية لها طرفان وعمادها التفاعل بينهما، فإن انعدم هذا التفاعل غابت غاية التعليم وأساسه، وأُحبط المعلم مهما كان بارعًا في أساليبه.
إن تجربة التعليم تزداد صعوبة في عصرنا هذا، بازدياد التكنولوجيا واعتماد الأطفال عليها، فقد صار شرح مادة ما مهمة تتطلب مهارات عليا لا في المادة وحدها، بل في لفت الانتباه واختراع المناهج والتوفيق بين المواضيع المطروحة بطريقة مثيرة ومدهشة على الدوام، فحتى أساليب التدريس التي اعتاد المعلمون تعلمها من خلال الدورات والدبلومات، أصبحت اليوم ماضيًا لا وزن له.
ربما علينا أن نعطي الأمر أهميته، لأننا بعد عدة سنوات سنعيش بين شباب لا يتقنون حتى القراءة والكتابة، وهذه يا عزيزي القارئ ليست مبالغة، فزيارةٌ واحدة منك لأقرب مدرسة ابتدائية أو إعدادية في الحي الذي تقطن فيه كفيلة بجعلك تشعر بالتعاسة من تدني المستوى التعليمي، وهذا نتاج عوامل كثيرة لا يحيط بها مقال أو حتى كتاب، بل تحتاج دراسة جادّة وبحثًا طويلًا في أسبابها وعلاجها قبل أن نصل إلى القاع، - نعم هناك قاع أعمق من هذا الّذي نحن فيه- وهو أمر لا يتعلق بأوطاننا الجميلة وحدها، بل هي أزمة عالمية فعلًا.
هناك شيء ما، لا أعرفه، ولا يعرفه معلمون كثر مثلي، شيء ينبغي أن يفعله أحد ما لإنقاذ البشرية ..




أعتقد بأيد الاهل مو المعلم و البيئة اللي فيها الطفل وهوا لسا ف مراحل حياته الاولي... و الله أعلم