


يمكنكم الاستماع إلى المقالة مقروءة بصوت صديقة الكاتبة fawzia ahmed
هو أنت ثانية؟ ألم أقتلك؟
قلت: قتلتني، ونسيت مثلك أن أموت
محمود درويش..
حينما تعثرت حالة اللمبي المالية نصحته أمه بالرجوع للأصل، عربة الكبدة، ميراثه من والده الراحل،
مكسبها مضمون وشغلانة حلال لعلها تسدد ديونه لنعيم، والذي كان أقرضه المال الذي نكس به البيت.
سمع اللمبي نصيحة أمه، ودخل البدروم حيث تقبع عربة الكبدة الأثرية،بجوار حائط تبرزه صورة المرحوم والده.
يتذكر اللمبي الماضي الجميل وشطارة ابوه في عمل الكبدة، وإذ بصوت والده ينصحه بالتسعيرة الازمة لسندوتشات الكبدة والسجق وإنه يحط فلفل كتير وبصل كتير ويقلل الكبدة في الرغيف،
وانهال على ابنه بنصائح البيع والشراء وإدارة العربة، إلى أن قال له اللمبي ما تيجي تبيع انت يابا.
وكأن والد اللمبي يرفض الموت ويرفض توديع عربة الكبدة، ربما حتى يطمئن أن ابنه شرب الصنعة وتعلمها، لا يريد أن يبيع والد اللمبي مكان ابنه بل يريد منه أن يسمع ويتعلم.
لا أعلم لما ربطت فيلم اللمبي بالفيلم الايطالي “ الحياة جميلة” وذكرني والد اللمبي ببطل الفيلم جويدو الشاب الايطالي اليهودي اللامع ، الذي رفض ان يموت ويستسلم للجنود النازيين ويترك ابنه الوحيد جوشوا فريسة سهلة لهم فحتى وإن سقطت ايطاليا في قبضتهم لا يجب أن يسقط فيها جوشوا.
في عيد ميلاد جوشوا هجم النازيين على بيت جويدو ليأخذوا كليهما للمعسكرات على متن قطار حقير في رحلة صعبة.. لا تخف يا جوشوا إنها لعبة جميلة بمناسبة عيد ميلادك، وعلينا أن نفوز ألا تريد أن تركب دبابة حقيقية؟
انظر يا أبي لقد توقف القطار حتى تركب أمي..
جويدو المفعم بالحياة والحب عليه حماية صغيره جوشوا وزوجته دورا من العدو الغاشم ومنحهم الحياة ، رغم إصرار النازيين على إنهائها- فحياته كيهودي في نظر النازيين أقل أهمية من أن تصان- ولكن رفض جويدو الموت والقهر حتى تصل عائلته لبر الأمان.
ها هو جويدو يعلم جوشوا اللعبة لحصد النقاط..لا تخف، لا تطلب وجبة خفيفة حتى وإن كنت جائعا، عليك أن تختبئ ولا تظهر وإن رأيتك خسرت اللعبة ولن تركب الدبابة.
حاول جويدو أن تكون حياته مع جوشوا طبيعية رغم بعدها كل البعد عن الطبيعية في المعسكر المكتظ بجوارغرفة الغاز و الجثث المتراكمة....ولكن جويدو الرومانسي الرقيق ينادي على زوجته -أميرته كما يناديها- في مذياع الألمان لتطمئن على جوشوا وهي في معسكر النساء البعيد.. اويرفع صوت الموسيقى عاليا وهو يعمل نادلا في خدمة كبار جنود النازيين كي تسمعها زوجته وتشعر بشعور يشبه الحياة
هذه هي قصتي، وهذه تضحيات أبي وكانت الحياة الهدية التي أهداها لي.
جوشوا
تمسك جويدو بالحياة والحب حتى اخر لحظة حتى يهديها لابنه وثمرة فؤاده، ولعل الأمر ليس بالمختلف على الاطلاق في حالة رفعت العرعير الشاعر والمترجم والفيلسوف، بروفيسور الادب الانجليزي في جامعة غزة الاسلامية، الذي لم يكن يملك حياة ليهديها لأحد فكل من غزة أقدارهم الموت، قد قرر لهم العالم ذلك وكأن حياتهم أيضا أقل أهمية من أن تصان.
تصالح رفعت مع حتمية موته لم يرفضه حقا ولكن رفض أن يكون موته مرادفا لفنائه.
أراد أن يكون موته قصة تحكى وتبعث الأمل في قلب هذا العالم البائس،
أراد أن يكتب وصية ومرثية لنفسه تحفظ في ذاكرة العالم البائس هذا يتذكرها الأحرار حول العالم، أراد رغم موته أن تكون حياته أطول من قاتله وأكثر أهمية
ففي بقائه بقاء لغزة وبقاء لفلسطين.
فقال رفعت:
إذا كان يجب أن أموت
فعليك أن تعيش
لتحكي قصتي وتبيع اشيائي
وتشتري قطعة قماش وبضعة خيوط
لتكن بيضاء بذيل طويل
من أجل طفل في مكان ما في غزة
ينظر إلى السماء
منتظرا أباه الذي رحل فجأة
مودعا لا أحد
حتى جسده..
حتى نفسه..
ليرى الطفل طائرتي القماشية
طائرتي التي صنعتها أنت
تطير عاليا
فيظنها لوهلة ،
ملاكا..يحضر له الحب،
إذا كان يجب علي أن أموت
فليجلب موتي الأمل
وليكن موتي حكاية..
جويدو ورفعت و والد اللمبي كل منهم رفض أن يموت على طريقته الخاصة ولهدفه الخاص، وكل منهم تمسك بما استطاع التمسك به في هذه الحياة لا لجمالها ولا لأهميتها بل لرغبتهم الخاصة لاهدائها لمن أحبوا ومنحهم الحياة والحب والأمان على الرغم من بؤس العالم وقسوته…
فليجلب موتي الأمل
وليكن موتي حكاية..


جميل!