تشغلني دائماً علاقة الناس بالأشياء. تربطني بأشيائي علاقة قوية دائماً؛ لا أمرُّ على شيء مرور الكرام، فكل مكان حللتُ به، حلَّ هو بدوره في تكويني مهما كان مروري سريعاً، ومهما كان أثره بسيطاً. والسينما كانت من الأماكن التي حلّت فيّ حلولاً مبكراً. يمكنني أن أخبركم كم أحببت الأفلام وكم تأثرت بها، وكم هربت إليها وكم عشت مع أبطالها، ولكن ما أحب أن أذكره الآن، هو كيف ساهمت السينما في إصلاح علاقتي بأبي، وكيف تتماشى هذه الحكاية مع قصة صبي صقلي بعيد، كان يرى الدنيا—مثلي—من خلال مستطيل الضوء الانسيابي في قاعة العرض.
“توتو”.. بنطق إيطالي مميز، صبي صقلي سافر والده للحرب في روسيا أبان الحرب العالمية الثانية ولم يعد. لم يكن يعزيه في انتظار والده، ولا يملأ فراغ ذلك الغياب القاسي، سوى صحبته لعامل السينما “ألفريدو” في غرفة بث الأفلام بدار العرض المركزية في المدينة: “سينما براديسو”. في السينما، وبصحبة ألفريدو، كان توتو يتعرف على الحياة. كان يرى من هناك الحب لأول مرة من خلال مشاهد القبلات التي يصر القس على حذفها من شرائط الأفلام، ممثلاً “هيئة الرقابة” التي تحذف وتدع من الفيلم كيف شاءت. هناك أيضاً، تعرّف توتو على الشغف بالفك والتركيب؛ فقد تعلم من ألفريدو كيف يدير آلة بث الأفلام، وهي عملية ميكانيكية معقدة، غير أن الشغف وحده حمله على تعلمها بمجرد المشاهدة٬ عرف توتو خبر موت والده في الحرب في نشرة الأخبار التي تبث في استراحات الأفلام٫ وجرب الحب لأول مرة وحاز على قبلته الأولى في غرفة البث الصغيرة التي انطلق منها إلى عالم رحب أصبح فيه صانعا للأفلام وليس مجرد محب شغوف!
هذا الحلول المبكر لعالم الشاشة يتقاطع تماماً مع بعض المشاهد من طفولتي. أذكر المرة الأولى التي اصطحبنا بابا فيها إلى السينما؛ أنا وأخي وهو، أطفالاً صغاراً يوم تنجيد خالتي. بابا القادم من الغربة لأيام مهما طالت فهي معدودة، يبدو أنه تشاجر وماما شجاراً منعه من الحضور، فاصطحبنا إلى السينما لأول مرة. كان الفيلم المعروض هو “جاءنا البيان التالي”، وكأطفال صغار، نيمنا الضوء الهادئ في قاعة العرض، فغيبنا عن مشاهد من الفيلم لم أعلم بوجودها فيه إلا بعد أن شاهدته بعدها بسنوات عبر التلفزيون. المرة الثانية كانت خروجة العيد وفيلم “الدادا دودي”؛ كنا أطفالاً أيضاً ولكن أكبر قليلاً، ولم ننم في السينما هذه المرة، بل بدأت تترسخ في وعينا تلك الطقوس السحرية للمكان.
وفي مراهقتي، كان بابا أول من دفعني إلى مواجهة الحياة. فعندما سألته لأول مرة أين أذهب مع صديقاتي، قال لي: “السينما طبعاً!”. ما أثار غضب أمهات الصديقات وقتها من هذا الرجل الذي اعتبروه يريد أن يفسد ابنته وبناتهم معها! لكن بابا، بطريقة تشبه حكمة ألفريدو الفطرية، كان يعرف أن السينما ليست إفساداً، بل هي نافذة مشرعة لفهم العالم وتوسيع الخيال.
لقد كان بابا يجلسني صغيرة إلى جواره، أشاهد أفلام عاطف الطيب بعيني طفلة لا تفهم شيئاً، وحين يلمح حيرتي كان يربت على كتفي ويخبرني: “اصبري، لما تكبري هتفهمي”. وعلاقتي بأم كلثوم أيضاً بدأت من عنده، لكنه لم يحملني إليها كما حملني إلى عالم عاطف الطيب ومحمد صبحي وعلي الكسار ونجيب الريحاني؛ بل اكتفى بأن يعالج امتعاضي الطفولي من طول المقدمات الموسيقية وصوتها الرخيم بجملة واحدة: “لما تحبي هتحبي أم كلثوم”.. وصدق الرجل، وبتُّ من المجاذيب!
غير أن ألفريدو في “سينما براديسو” كان رجلاً عاقلاً، يعرف أنه لا يكفي لعيش الحياة أن تشاهدها في الأفلام، أو للدقة، من خلال غرفة بث الأفلام! فقد كان ألفريدو يرفض أن يعرض على توتو البقاء أسيراً لهذه الكابينة الضيقة. كان يرفض أن يحبس الصبي مستقبله خلف جدران بلدة صغيرة أنهكتها الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي أخذت أبو توتو وعرّضته لطفولة صعبة، وحملت جارهم الإيطالي على الهجرة لألمانيا هرباً من العيشة المرة. ألفريدو كان يرى البلدة تنحدر، وحين تفتق قلب توتو على الحب، واكتوى بنار الفقد بعد أن أبعد والد حبيبته ابنتَه عن المدينة، دفع ألفريدو توتو بكل قوته نحو الهجرة؛ صرخ فيه ليذهب إلى روما ويبحث عن الحياة والمجد الشخصي، وألا يعود أبداً وألا ينظر وراءه.
قبل عامين، وفي شارع طلعت حرب، كنت أسير مع الأصدقاء قرب منتصف الليل، بعد أن شاهدنا فيلماً جميلاً من كلاسيكيات السينما أعادت عرضه “سينما زاوية” في برنامج سينما الجنوب العالمي، وحضرت النقاش الفنانة هند صبري، التي حازت على لقب “صديقتنا” من بعدها. تسكعنا في الشوارع بعد الأكل والشاي، نحكي عن آبائنا وذكريات الطفولة. فذكر من معي أنهم لم يشاهدوا فيلماً قط في بيوتهم، بل لم يمتلكوا تلفزيوناً أصلاً في طفولتهم.
كنت حينها أحمل حملاً ثقيلاً من علاقتي ببابا، أشاركه في جلسات العلاج النفسي وحدها، ولم أكن أقوى حينها على مشاركته مع أحد. طول الطريق لم يشغلني سوى علاقتي بالفن التي بدأت من عند هذا الرجل. عدت يومها لأول مرة في الواحدة بعد منتصف الليل، وكان في انتظاري منزعجاً، فأخبرته بتلقائية: “أنا شاهدت فيلماً جميلاً مع صديقتي الفنانة هند صبري”، فضحك وقال لي: “وهي هند دي متجيش غير متأخر يعني؟ ادخلي ومتتأخريش تاني!”. لا أخفيكم أني قرأت كل الأذكار والمعوذات لكي أتقي شر رجوعي الصبَّاحي هذا إلى البيت، ولكن يبدو أن هذا الرجل كان مجذوباً لشيء ما لم أفكر فيه قبلاً؛ مجذوباً للفن الذي يغفر العثرات.
توتو أيضاً لم يعد إلى بلدته إلا بعد عقود، ليدفن ألفريدو الميت بعد أن اتصلت به والدته لو أراد أن يودعه. جاء فعلاً، ولم يجد أي شيء من المدينة على حاله؛ حتى “سينما براديسو” هُدمت أمام عينيه ليُبنى مكانها جراج سيارات. كان هذا الهدم إشارة صريحة إلى أن ألفريدو كان محقا عندما طلب منه مغادرة البلدة وعدم النظر خلفه؛ لأن البلد انحدرت من سيء إلى أسوأ، ولولا الهجرة لظل توتو مجرد عامل سينما بسيط بدلاً من المخرج الكبير الذي صار عليه.
لكن المجد والمال لم يمنحا توتو كل شيء؛ فقد عاش وحيداً ولم يجد الحب أبداً بعد حبيبته التي راحت. وفي النهاية، يجلس توتو المخرج العظيم في قاعة عرض مظلمة، وحيداً إلا من هدية ألفريدو الأخيرة: شريط يجمع كل القبلات التي بُترت من طفولته. يبكي توتو أمام الشاشة، لا لأن الحب عاد، بل لأن الزمن لا يعود، ولأن الفن كان العزاء الوحيد المتبقي ليرمم كل هذا الفقد.
تلك الدموع تشبه تماماً لحظة التسكع في الواحدة صباحاً بشوارع وسط البلد، حيث تكتشف فجأة أنك لا تحمل في جيبك سوى شفرات سرية وهبها لك الآخرون لتنجو بها. يبدو أن الآباء—الحقيقيين منهم والروحيين—لا يملكون أحياناً سوى إلقائنا في مجاز الصالات المغلقة لكي ننجو من قسوة الشوارع في الخارج. هم لا يشرحون لنا الحياة، بل يتركون لنا بكرة فيلم قديم ونبرة غناء عتيق، كصمام أمان نلتجئ إليه كلما أظلمت الدنيا؛ لتظل تلك المساحة المضيئة بداخلنا هي الأثر الأبدي لأبوة لم تكن يوماً مجرد اسم، بل كانت حساً جميلاً نتحسس به طريقنا في عتمة الأيام.
ملحوظة: يخلو المقال من صورة تجمعني في طفولتي ببابا- لأنه ما من صورة تجمعنا معا صغارا!










مش متخيلة المقال ده عمل فيا أيه:(
جميل أوي🥹
أكثر من رائع 💗