تجربتي مع كتاب «250 طريقة لكيف تقول لا»
في أحد الأيام، قبل بضعة أشهر، أحضر لي أخي عمر كتابًا كنت أريده بشدة، وهو «250 طريقة لكيف تقول لا».
كنت، وما زلت، أعاني بشدة من عدم قدرتي على الرفض، وهذا لا يختص بأمر معيّن؛ فأنا أستثقل جدًا قول كلمة «لا» بالفعل. وبدأت أدرك مع الوقت أن ذلك يكلّفني الكثير، إذ بدأ البعض يتعامل معي باستحقاقية شديدة.
هذا المقال للأسف ليس تحليلًا مفصلًا أو دراسة نقدية للكتاب، الذي يناقش - بالنسبة لي - عبارات لائقة لكيف تقول «لا»، ليس أكثر. فهو لا يعالج الشعور بالذنب الناتج عن قولها، ولا يناقش الأسباب التي تولّد داخلي ذلك الشعور بالرفض، على سبيل المثال:
طلب منك صديق أن تخرج معه لمدة ساعتين للعب البولينج.
الرد: «لا، ليس لدي وقت، هل يمكننا تأجيلها إلى يوم الأربعاء؟»
بالله عليك!
نظرت إلى صورة الكاتبة خلف الغلاف وأنا أقول لها بصوت مسموع: هل أبدو لكِ كشخص لا يستطيع أن يصوغ عبارة لائقة؟
لذلك لن أتحدث عن الكتاب، بل عن موضوعه، وسأتحدث أيضًا عما فعله استفزاز الكتاب بي.
لطالما كان لدي اعتقاد بأن على الناس المحافظة على رصيدهم لدى الآخرين، وإن كان ذلك صحيحًا إلى حد ما، فإنني أعتقد أن طريقتي هي التي كانت خاطئة.
فخوفي من الرفض، من الناس أو المجتمع أو الأشياء، جعلني أخاف من الرفض عمومًا، وأنا هنا أقصد حتى الرفض النابع مني. قد أرفض أفكارك، وقد أرفض آراءك، وقد أرفض بشدة تحليلاتك لبعض المواقف، لكنني لا أستطيع رفض دعوتك إلى فنجان قهوة لأنك تريد الحديث عن أمور لا أرغب في الحديث عنها إطلاقًا!
لم أحل هذه المشكلة بعد، لكنني أشعر أن لدي عقلًا ذكيًا يدرك غالبًا الأسباب التي تجعل شخصًا أمامي يعجز عن قول «لا» لي أو لغيري أثناء الحديث، ودائمًا ما أنفصل عنه لثوانٍ، فيستعرض عقلي كل تلك الأسباب.
أحيانًا يكون الضغط الجسدي أو العقلي الذي سيحدث بعد المواجهة التي ستخوضها لا محالة عقب قول كلمة «لا» هو ما يجعل القبول بالنسبة إلى العقل «الحل الآمن».
تعبير الحل الآمن يريحني في الأصل؛ فلو قلت لي قبل أن تعرض حلًا لأي مشكلة إن هذا هو الحل الآمن، فأظن أن ذلك سيؤثر في قراري.
وأرفض تمامًا اعتبار عدم القدرة على الرفض ضعفًا في الشخصية؛ فمن الصعب التخلي عن الحل الآمن والمجازفة بالمواجهة.
أنا أحب خوض المغامرات، لكن عندما يتطلب الأمر رفضًا يعقبه شعور متوقع بالقلق لا أستطيع تحديد أسبابه، أجد نفسي ألجأ إلى كذبة الحل الآمن.
وفي مجتمع يقابل الرفض بالعقاب أو الانتقاد، يصبح من الطبيعي أن تبحث عن حلول تجعلك مقبولًا اجتماعيًا.
مجرد تجنب الإحراج قد يكون سببًا كافيًا أحيانًا لتضغط على عقلك وجسدك وتستنزفهما، خصوصًا إذا ربطت رضا الناس عنك برضاك عن نفسك؛ عندها تكون متورطًا بالفعل.
أعلم أن استرضاء الآخرين سبب قوي لعدم الرفض، لكن الشعور بالذنب - بالنسبة لي - هو السبب الأقوى.
الخوف من الرفض يفعّل داخلك شعورًا يجعلك تستصعب أن يختبر أي شخص شعور الرفض بسببك، وهذا وحده سبب كافٍ لدى كثيرين كي يوافقوا على معظم الأشياء.
عقلك يرفض أن يراك أنانيًا في قصة أحدهم، فيلجأ مباشرة إلى ذلك الحل الآمن.
«كنت لا أجيب على الهاتف إذا توقعت أن المتصل سيطلب مني ترك السرير والخروج للقائه، بدلًا من أن أرد وأقول: لا.»
تعبان في دماغه!
لكن مع أول رفض، مع أول «لا»، مع أول رفض لم أبالغ في تبريره…
يا لها من لذة!
لذة أول ملعقة فتة يوم العيد.
ومع تكرار الأمر بدأ واقعي يتغير شيئًا فشيئًا؛ فصرت لا أسمح للسيارات أن تمر أمامي إن كان الطريق حقي، ولا أسمح لمديري أن يحمّلني مسؤوليات ليست من مهام وظيفتي.
وصرت لا أعلم: هل تعلمت فعلًا أن أقول «لا»، أم أنني تعلمت تحمّل المواجهة والشعور بالذنب الناتج عن الرفض؟
لم يكن الأمر سهلًا كما تخيلته في لحظة النشوة الأولى. كان القلق المعتاد حاضرًا، وكان الصوت الداخلي الذي يهمس: «أنت الأناني في القصة» حاضرًا أيضًا، لكنه أصبح أضعف، صوتًا يمكنني تجاوزه بدل أن يقودني.
وبدأت ألاحظ شيئًا غريبًا: أن الرفض لا يكلّفني بقدر ما كان يهددني به خيالي.
كنت أتوقع أن تنكسر علاقات، وأن تتغير نظرة الناس إليّ، وأن يُفهم الرفض على أنه إهانة أو تخاذل. لكن أغلب من رفضتهم لم يتذكروا الأمر أصلًا بعد يومين، بينما كنت أنا أحمل ثقل الرفض في رأسي لأسابيع.
هذا الفارق بين حجم الخوف وحجم الحدث الحقيقي جعلني أعيد النظر في كل تلك المرات التي وافقت فيها على شيء لا أريده فقط لأتجنب مواجهة لم تكن أصلًا بذلك الحجم الذي رسمته في خيالي.
لم أتحول بين ليلة وضحاها إلى شخص يرفض بسهولة، ولا أعتقد أن هذا هو الهدف أصلًا.
ما زلت أشعر بالذنب أحيانًا، وما زلت ألجأ إلى «الحل الآمن» عندما يكون الثمن كبيرًا على أعصابي في ذلك اليوم تحديدًا.
لكن الفارق الآن أنني أصبحت أدرك اللحظة وأنا فيها؛ أرى نفسي أختار الاستسلام، لا أنجرف إليه فحسب، وهذا في حد ذاته تغير لم أكن أملكه من قبل.
ربما لم أتعلم كيف أقول «لا» بلا ألم، لكنني تعلمت أن الألم نفسه لا يعني أنني أخطأت.
وربما هذا كل ما كان ينقصني: ليس عبارة جاهزة من كتاب، بل يقين بأن الشعور السيئ بعد الرفض عابر، وأن الشخص الذي يغضب اليوم قد لا يتذكر غضبه بعد أسبوع، بينما كنت أنا أحمل ذلك الغضب المتخيَّل لأشهر.
هذا وحده كان كافيًا لأن يجعلني أعيد فتح الكتاب مرة أخرى، لا لأبحث عن عبارة جديدة أقولها للناس، بل لأتذكر أن هناك من كتب 250 طريقة لأن الطريقة الواحدة، ببساطة، لا تكفي أحدًا منا.



بس هو كده كتاب مفيد ولا لا
عباس الضو بيقول لااااا