(من عادتي الاحتفاظ بالصور اللطيفة التي أعثر بها، من بينها هذه الصورة المليئة بالمفارقات و الألوان والتي أجدها معبرة للغاية عن القاهرة وركام الحياة والتاريخ فيها لكني للأسف لا أستطيع العثور على أي معلومة بشأن صاحبها فأرجو ألا أكون قد سطوت على جهده)
(قبل أن نبدأ، إذا كنت تحب الاستماع للعود ورنته الشجية فلعلك مثلي تستأنس بالتقاسيم التالية للسنباطي والتي أجد فيها شيئا من روح القاهرة كما أتخيلها إن صح أن مثل هذه الروح يمكن أن تسري في المدن/ إذا بدا لك في الأمر رمنسة ما قد تزعجك فدعنا نرمنس علاقتنا بالمدينة ولو بضع دقائق.. من ذا الذي احتمل الحياة بدون خيال؟)
(ليس البناء مجرد بناء أبداً ، هـو عصور من الصور المتراكمة التي لا تمحى ، يستطيع ابن شلبي أن يعيش في الصورة التي يهوى في الزمن الذي يشاء وقتما يرغب . مع ذلك يا أخي ، تسقط في بئر الزمن ، تسقط ولا بد أن تنتشلك من قاعه إلى سطحه لحظة رؤية عابرة)
رحلات الطرشجي الحلوجي _ خيري شلبي
وعد بزمن يتلاقى فيه الماضي بالحاضر
محاولة طموحة لكنها وللأسف كانت دون آمالي، لا ينفي ذلك بالطبع ما فيه من متعة وطرافة لكني أعني أن ما وعد به العنوان و الصفحات الأولى ملأ صدري بالتوقعات اللذيذة في تطواف ساحر بالقاهرة وأحيائها ودروبها وعمارتها المبهرة وما يشمل نواحيها من طبقات بعضها فوق بعض من ميراث الأزمنة الماضية وأحداثها المتلاحقة ووشوشات شوارعها التي لا تنتهي ولا تهدأ.
في خيالي كذلك صحبة قريبة العهد بالمقريزي في ثنايا محاولاتي لترميم صلاتي بالقاهرة التي درجت فيها زمنا طويلا غافلا أقطع نواحيها وفي النفس ذهول عنها وعما توسوس به فإن تسرب إلى النفس شئ من ذلك كان كطيف خيال في خفاءه وقصر لبثه.
وفي صحبته كانت متعة لا حدود لها وكانت رحلات في الزمن الماضي وإن اقتصرت على الوقائع دون توشية الخيال فإنها لم تخل من أنفاس المقريزي الحارة وروحه الرقيقة ونقداته اللاذعة ورؤيته المستبصرة النافذة وحزنه العميق على ما آلت إليه القاهرة في زمنه من خراب بعد عمران ونقصان بعد تمام.
فلما قدمت على صاحبنا هاهنا راقتني الفكرة وهيأت نفسي لطي الزمن إلى الماضين على جناح من وفرة ما انتهى إلينا من المصادر وجناح من خيال يردد النظر في الماضي معيدا بناءه وتركيب أجزاءه وقص ما خفي علينا من نواحيه أو إعادة تفسير بعض ما وقع وخفيت علينا دوافعه أو مآتيه.
أين الشباب ؟
لكن للأسف أُتي مولانا الطرشجي الحلوجي من الناحيتين فلم يستوف ما كان حقه الاستيفاء من حيث التنقيب في المصادر وغاية ذلك تكوين صورة محكمة عن الماضي تسمح باعادة تخيله وتمنح الراوي قدرا من البداهة الناجمة من معايشة تلك الأزمنة واستبطانها.
ولم يملك كذلك الخيال القوي الذي يعيد صياغة الأحداث وينشئها لقارئه انشاءا ويخلقها خلقا جديدا نافخا فيها من روحه، فجاءت الشخصيات الكبيرة باهتة لا تكاد تعرف عنها شيئا ولا يبدو لنا شئ من خصالها المميزة.
فنمر بالمقريزي وابن تغري بردي وابن فضل الله العمري والملك الناصر وقوصون وبشتاك وقراقوش والحاكم بأمر الله والعزيز والمعز وسائر الصحبة الكريمة مجرد خيالات لا ملامح لها وكنت أتوقع أن ينطقهم الراوي بما يكشف عن طباعهم ونفوسهم وكذلك بما يجعل من الانتقال والمراوحة بين ازمانهم وزمن المؤلف سهلة سلسة.
عوام وسلاطين!
ثم عاب الكتاب كذلك أن المطلع على أحداث تلك الأزمنة أو قارئ المقريزي أو سواه في وسعه الاستغناء عنه إذا ضاق وقته لإنه لا يمنحه جديدا على مستوى الأحداث والتفاصيل ولا يمنحه كذلك تلك البصيرة المعتصرة من ملابسة تلك الأزمنة.
وللأسف فإن ما يخرج به المرء من انطباعات توحي بنوع من التسوية بين أنظمة الحكم الحالية وما ساد البلاد في ازمنة المماليك مثلا من نظم وان ظالمي اليوم هم ظالمو الأمس وثم جوهر متعال على الزمن يدعى العامة/الشعب لها خصال مميزة ثابتة تمر الدهور ولا تتبدل، مظلومون دائما، يتركون مقاليد أمورهم للقائمين عليهم قانعين بالسخرية وترك الظالمين للزمن أن ينتقم منهم!
بالإضافة إلى أحكام غريبة وتسميات لا يمكن استيعابها على تلك الازمنة الماضية توقع قارئ التاريخ في مغالطات وسوء فهم كمثل الوطنية والخيانة والشعب والحكومة وغيرها من المسميات التي تحيل على زمننا ولا يمكن سحبها للماضي بغير كثير من التعسف. مع أنواع من التعميم اللاتاريخي والجائر أيضا.
حيث يقول
"واقع الأمر أننا معشر الشلبية من المصريين نضحك ونرسل النكات اللاهية ونحن تحت وطأة الظلم ، ونبكي حين يندحر هذا الظلم ، فكأنما حبنا للعشرة والمودة اقوى من حبنا للإنتقام ، يقول المثل الذي أرسله أجدادنا الخانعون : « أصبر على الجار السيء فلربما تجيء مصيبة تمسحه أو ينزاح هو من تلقاء نفسه » "
ذلك أن جموع المصريين شأنهم في ذلك شأن سائر الناس في كل بقعة من بقاع الأرض لهم في كل مرحلة من مراحل تاريخهم ثوراتهم وانتفاضاتهم ووسائل المقاومة المتفاوتة تجاه حكامهم الظالمين الطغاة والتي كثيرا ما تخمد بالقمع والقهر لكن ذلك لا يمنع من تكرارها كل حين وإن تراخى الزمن وطال.
ربما لا تثمر تلك الثورات شيئا ذا بال وربما يتبرأ كثير من سائر الناس منها ومن أصحابها جراء وطأة القمع وقسوة البطش لكن ذلك لا يقرر القاعدة التي يحاول المؤلف بسطها وتغليفها بالسخرية والهزء وفي تلك العصور نفسها وقعت الكثير من المحاولات والانتفاضات والتي كتبت بشأنها الدكتورة أمينة البنداري كتابها “عوام وسلاطين”
تاريخ بلا مكان!
يبقى كذلك أن مما تاقت إليه النفس أن يمزج مولانا الطرشجي الحلوجي في رحلته بين الزمان والمكان وقد كان ذلك يسيرا لاسيما أن تلك الفترة التي انتقاها وأطال النفس في الحديث عنها تعد إحدى أشد عهود عمران القاهرة ازدهارا.
وقد كان الناصر وامراؤه في زمنه ومن بعده من سادة البناءين ممن عمروا القاهرة وكسوا وجهها بكثير مما بقي لها إلي يومنا هذا من شاهق البنيان وباهره وقد بقي لدينا من أبنية قوصون جامعه الشهير بعد تحريفه بجامع قيسون و خانقاه في قرافة سيدي جلال وقصر عال وإن نعق فيه البوم من خرابه. وكل واحد من هؤلاء نبع ثر للحكايات والتراكم التاريخي الذي لا ينزح.
( جامع بشتاك بدرب الجماميز والذي اشتهر كما ذكر المؤلف بجامع مصطفى فاضل باشا ثم عفى ذكر الشيخ رفعت على كلا الرجلين فصار أشد اشتهارا بجامع الشيخ رفعت)
شرفت يا ولدي!
كما ذكرت في البداية فإن نشأتي في أحد ضواحي القاهرة بعيدا بعيدا عن قلبها ثم دراستي بجامعة نائية على الطرف الآخر منها جعلني بمنزلة الغريب عنها يقطعها من طرفها للطرف الآخر دون أن يتلبث عند القلب ليشعر به وبنبضه ويحس به وبما ينفثه في روع من يمر به من مهابة وجلال.
كم ركبت من باص في طريقي ذهابا وإيابا وكم ارسلت طرفي وراء ما يعرض له من أبنية ومآذن وأضرحة ولافتات الملم من ذلك كله تاريخا شخصيا لا اتحرى فيه التفاصيل التاريخية ولا استوثق من صحة ما يعرض ولا اتتبع الخرائط، اكتفي بالمشاهدة والخيال وترميم التاريخ بفتات المعارف المتناثرة على الواجهات واللافتات واسماء الشوارع.
لمزيد عن القاهرة
لغوصة جغرافية
في هذه الجغرافيا الساذجة يصبح جامع السلطان حسن من ثم ذلك الجامع بشارع حسن الاكبر وأعجب من ثم لما يزعم الناس من روعة بناءه وهو أمامي مقتصد في عمارته ليس عليه مسحة من جمال، ويصبح جامع البنات هو الجامع الوحيد المعروف والمميز على رأس شارع بورسعيد (في الاصل جامع القاضي يحيى وجامع البنات/عبد الغني الفخري في موضع آخر) ويشاغلني جامع الشيخ أبو السعود الجارحي إذ أمر عليه كثيرا واطيل النظر إليه ثم لا أزيد على ذلك النظر.
وأمر على قرافة سيدي جلال وغابة مآذنها السامقة (قبل أن تجري عليها مذبحة المآذن العالية كما جرت على المماليك فتجتز رءوسها منذ عامين وتقتلع من الارض التي القت بها جذورها منذ قرون طويلة) فلا يلفتني غير ذلك العتق والغبار المتراكم طويلا ولا اعني نفسي بالسؤال فقط أعجب لبرهة ثم يضمحل العجب ويذوب تحت حرارة الشمس اللاهبة.
(جامع القاضي يحيى ومأذنته البارعة الجمال وشديدة الفرادة سواء في تفاصيلها الفنية والمعمارية او في تدمير الكباري المتراكبة و إعلاناتها لها)
قد جعلت من مكتباتها ،التي ألفت مذ عرفت قدماي إليها طريقا، معالم ومنارات اهتدي بها واميز من خلالها جغرافيتي فمن ذلك كانت دار الكتب المصرية القديمة في باب الخلق التي كانت عندي بمثابة قلب القاهرة التاريخية النابض لسنوات طوال أمر فيها عليها مدندنا شعر فؤاد حداد اللطيف بصوت ولحن سيد مكاوي
"في باب الخلق اتملا القرطاس بفول اخضر رميت علي السلام شرفت يا ولدي!"
ولن استطيع الا بعد ذلك بزمن طويل فك طلاسم قوله "وعلى مذهب شارع محمد علي الترمايات قاطعة الخليج بجرس يجري"
فلم أكن اعرف الخليج ولا شارع محمد علي ولا اي ترمايات عنى!
كنت اقدر ذلك كله من المجازات والابهام غير المفهوم حتى علمت أن شارع بورسعيد هو الخليج المقصود وعلى حفافيه قديما كانت المناظر والقصور الفاتنة والحدائق المبهجة الناضرة وكان الترام بالفعل يقطع الخليج (بعد ردمه زمن الخديوي إسماعيل).
في واحد من المتتاليات التاريخية التي تعاقبت على ذلك الشارع الثري القديم الذي ردم مرتين مرة بردم الخليج نفسه ومرة بتغيير اسمه ليصبح شارع بورسعيد بدل الخليج فانطمر ذكره وخفي رسمه على الناس.
(شارع الخليج/بورسعيد وفي صدره جامع يوسف اغا الحين على الطراز العثماني المشهور، و الصورة القديمة بالأعلى ملتقطة من الجهة الأخرى وتبدو في واجهتها مأذنة القاضي يحيى الجميلة قبل أن تصرعها الكباري وفي الشارع تبدو خطوط الترام )
كنت انحدر من محطة نجيب قاصدا دار الكتب حتى إذا قصدتها تذكرت شيوخ صنعة التحقيق ورجال الأدب في النصف الأول من القرن العشرين ورحت استعيد قول كراتشكوفسكي واحاديث شيخي ابان طلبه لما كان يقتعد الدار للقراءة ما وسعه النهار.
باب الخلق فؤاد حداد وسيد مكاوي
ثم أعرج عنها مارا بجامع يوسف اغا الحين وانا لا أعرف اي جامع هذا ولا أميز على اي طراز كان وسيمضي زمن طويل قبل أن أعرف وقبل ان اتنبه إلى مآذن زويلة القريبة والمشرفة على الأفق والتي تجذبك إليها جذبا لا تملك الافلات منه مذكرة بما يروى عما كان من غاية بناءها واشرافها اول ما يستقبل السلاطين في طرق عودتهم من الحج والغزو كأسياف لامعة مشهرة تشق الأفق كما قال الشاعر القديم
فاعرضت اليمامة واشمخرت كأسياف بأيدي مصلتينا
مجرد تصور هيمنة المآذنتين العاليتين على الأفق فوق البوابة مستقبلة السلطان مسكر ومدوخ لاسيما عند استعادة موقع المآذنتين الحالي.
اين تذهب من القاهرة ؟
كل ذلك من بنيانها قد عُمي علي، أمر به جاهلا وييدو لي كأنما وجد حيث تقع عليه العين ليبقى للأبد في خلوده الباذخ فليس من داع للعجلة ولا للالحاح في المعرفة وتمر الأيام وتتحرك في صدري الخواطر التي تحفزني للتعرف على القاهرة من جديد فأخطو على استحياء وابحث في أناة واتساءل السؤال تلو السؤال في غير عجلة واجد من حولي من يهب للتطواف على بقاع القاهرة معرفا ومصورا فيزداد شغفي وولعي لكنه يبقى حبيس الصدر أسير المسافات البعيدة والسكنى على الاطراف وكل ذلك والشعور الغالب الاستنامة إلى ذلك الخلود الطويل والبقاء الأيدي وأن البنيان قائم هناك متى ما سعت إليه النفس ادركته.
فلما دعا داعي الاغتراب وتكشفت الايام عن هجرة طويلة وبعد عصي على الرأب زاد الشوق وجعلت النفس تلوم على تفويت الفرص التي سنحت قديما وراحت تتخذ من ذلك وقودا للمعرفة عن بعد والتهيؤ ليوم يتاح فيه الوصل.
فلما مضت الايام وأسمح الزمان وأمكن من وصل ما انقطع ورحت أطوي الزمان والمكان مع صحبتي طمعا بإدراك ما قد فات و تجديد العلاقة بالمدينة القديمة وقد أرهفت الغربة الشوق إليها وجلت الآثار الاجنبية الطرف إليها.
وصار السؤال الملح كيف يعقل أن يلم المرء بالكثير من تاريخ مدينة غريبة عنه ولا يعي إلا القليل من تاريخ مدينته ؟
إذا بالاقدام الغليظة الجلفة تخطو خطواتها البليدة لتطأ ذلك البنيان الشامخ وتطويه طي السجل للكتب كأنه لم يكن وإذا بما قد غالب الدهر فغلبه قرونا طويلا قد اضحى اثرا بعد عين، من هنا عاد التعلق بالقاهرة وما بقي منها تعلق من يخشى الفراق والزوال..
أقول ذلك كله لأني شعرت بشئ مما ذُكر فيما يلي تجاه الاسوار العالية للمدينة يوم قطعتها وصحبتي واذا بنا نخطو خارجها فتملؤنا الهيبة والروع كلما نظرنا للأسوار من خارجها وراحت العين والنفس من وراءها تستعيد الأزمنة المديدة..
“عبرت البوابة إلى الشارع فصرت في عرف الخريطة التاريخية القديمة خارج القاهرة تماماً ، ووالله وبالله وبحق جلاله وغناه لقد داخلني الإحساس بالخوف كأنني قد لفظتني المدينة أو كأنني تسربت هرباً منها، فصرت أمشي بجوار السور الهائل الارتفاع الذي ينتهي في أعلاه بكرانيش وفتحات يداخلني شعور بالرهبة كأنني أحتمي به منه ، هو سور شاهق الإرتفاع يصافح نظر القادم من آخر الدنيا ليقول له قف مكانك وأحفظ مركزك وإلا اصطادتك عيونه الصقرية المتخفية ، أبتعدت قليلاً عن السور إلى نهر الشارع المسمى بشارع البنهاوي وكنت أعرف أن حي البغالة على يميني وسور القاهرة على يساري ولكن لا أدري لماذا خيل إلي أنه الفراغ عن يميني وأنه الأمان عن يساري”











